- لماذا يخفى الإنسان لسنوات؟
سؤال يبدو بسيطا، لكنه يصبح مرعبا عندما نتوقف عنده قليلا. إذا كان شخص ما قد حرم من حريته، فلماذا يخفى مكانه؟ ولماذا لا يعرف أهله أين هو؟
اقرأ أيضا: الدين والدولة.. من هيمنة الكنيسة إلى عصر التنوير (1)
والدولة التي تعتقل لا تحتاج إلى الإخفاء. لديها سجون معلنة ومحاكم وسجلات وقانون يجيز لها الاحتجاز، ولا يكلفها ذلك شيئا. أما الإخفاء فمكلف: يحتاج إلى أماكن خارج السجلات، وأشخاصا يعرفون ويصمتون، وسلسلة أوامر لا تكتب؛ ويصنع خصوما دائمين هم أهالي المختفين، وملفات دولية لا تغلق.
ومع ذلك يستمر. وهذا وحده يكفي لتثبيت ما يجب أن يقال أولا: الغموض ليس فشلا إداريا ولا نقصا في الإمكانات. إنه منتج له كلفة، ومن يدفع كلفة شيء إنما يجني منه عائدا.
السجين المعلن يبقى داخل القانون وإن ظلم: له رقم وتاريخ وقاض وزائر. أما المختفي فينقل إلى منطقة لا يسري فيها شيء من ذلك
إنسان خارج القانون
الاختفاء القسري لا يعني فقط أن شخصا غاب عن عائلته. إنه يعني أن إنسانا أصبح بلا وجود واضح في العالم القانوني؛ لا مكان معروفا، ولا معلومات مؤكدة، ولا مصيرا تستطيع أسرته أن تبني عليه حياتها.
ولهذا الوصف مقابل قانوني من ثلاثة عناصر: حرمان من الحرية يقع من أعوان الدولة أو بإذنها أو سكوتها؛ ثم رفض الاعتراف بهذا الحرمان أو إخفاء المصير؛ فوضع الإنسان خارج حماية القانون كلها.
والعنصر الثالث هو ما يجعل هذه الجريمة مختلفة عن غيرها. فالسجين المعلن يبقى داخل القانون وإن ظُلِم: له رقم وتاريخ وقاض وزائر. أما المختفي فينقل إلى منطقة لا يسري فيها شيء من ذلك. لم يعد سجينا؛ صار غائبا.
وظيفتان ظاهرتان
لماذا كل هذا الغموض؟ لأن الاختفاء أداة تؤدي أكثر من وظيفة في وقت واحد.
الأولى تحييد الشخص وإخراجه من المعادلة، وهي الأقل أهمية؛ لأن الاعتقال المعلن يحققها. والثانية ترويع الجماعة.
والرسالة هنا ليست موجهة إلى المختفي، بل إلى من بقي: الاعتقال المعلن يخيف من ارتكب فعلا بعينه؛ لأن العقوبة معلومة وحدودها معلومة، أما الاختفاء فيخيف الجميع؛ لأن أحدا لا يعرف ما الذي يعاقب عليه ولا كم يدوم.
الغموض هنا ليس عيبا في الأداة؛ الغموض هو الأداة.
في المكسيك سلم المختفون إلى طرف ثالث: ففي قضية أيوتسينابا عام 2014، اعترضت شرطة بلدية 43 طالبا وسلمتهم إلى جماعة إجرامية
ماذا يحدث بعد الاختفاء؟
لا يكفي أن نسأل: أين اختفى؟ بل ماذا حدث له بعد اختفائه؟ هل بقي حيا؟ هل تعرض للتعذيب؟ هل نقل إلى مكان آخر؟ هل مات؟
وتتردد هنا روايات ثقيلة: أن يصبح المختفي ورقة في مساومة، أو يستعمل في تبديل شخص بآخر، أو يقع ضحية لشبكات تستغل غيابه. وهذه ليست اتهامات، ولا يمكن تحويلها إلى حقائق لمجرد أنها احتمالات مخيفة؛ لكنها أسئلة يجب ألا نخاف من طرحها.
والطريق بين الخوف من الطرح والتسرع في الجزم أن نقول أين نقف من كل جملة: الموثق ينسب إلى مصدره، والشهادة تقدم بوصفها شهادة، والمحتمل بحكم البنية يقال إنه ممكن لا إنه وقع.
وفرضية التبديل تحديدا ليست خيالا. لقد وقعت، وفي وثائق قضائية.
ففي كولومبيا، ضمن ما عرف بـ«الإيجابيات الكاذبة»، اقتيد مدنيون مهمشون استدرجوا بوعود عمل، ثم قتلوا وقدموا بوصفهم مقاتلين سقطوا في اشتباك؛ لأن كفاءة الوحدات كانت تقاس بعدد القتلى وتكافأ عليه.
وثقت المحكمة الخاصة للسلام 6,402 ضحية بين عامي 2002 و2008، ثم رفعت الرقم في أبريل/نيسان 2026 إلى 7,837 ضحية بين عامي 1990 و2016. أي أن جثة المختفي بدلت بجثة عدو، وكان التبديل هو الدافع إلى الغياب لا نتيجة له.
وفي الأرجنتين بدلت الهوية لا الجثة: أطفال ولدوا لأمهات مختفيات داخل مراكز الاحتجاز السرية، سلموا بشهادات ميلاد مزورة إلى عائلات مقربة من الأجهزة. وقد أعلنت «جدات ساحة مايو» في يوليو/تموز 2025 استعادة الحفيد رقم 140.
والحالة الأقرب إلينا وقعت في سوريا. فقد وثقت تحقيقات صحفية وحقوقية -استندت إلى قواعد بيانات المخابرات الجوية، ووثائق وزارة الشؤون الاجتماعية، وأكثر من مئة إفادة- نقل أطفال معتقلين ومختفين قسرا إلى دور رعاية بأسماء مستعارة، مع تعليمات مكتوبة بكتمان أسمائهم وعدم تسريبها. وكان لأحد هذه المجمعات صلاحية حصرية بتغيير الأسماء وإصدار وثائق هوية جديدة، حتى إن أطفالا لم يكونوا يستجيبون للاسم الذي نادتهم به الأسرة الحاضنة.
وتتراوح التقديرات بين 3,700 و4,536 طفلا مفقودا، ووثقت 323 حالة نقل مباشرة من الأجهزة الأمنية.
والأهم لموضوعنا أن هؤلاء الأطفال استعملوا، بحسب هذه التحقيقات، أوراقا في عمليات تبادل. وبعد سقوط النظام في ديسمبر/كانون الأول 2024، اعتقلت مديرات دور ووجهت اتهامات إلى وزيرتين سابقتين.
اقرأ أيضا: حصر السلاح بيد الدولة في العراق.. هل تسلم الفصائل أسلحتها؟
وفي المكسيك سلم المختفون إلى طرف ثالث: ففي قضية أيوتسينابا عام 2014، اعترضت شرطة بلدية 43 طالبا وسلمتهم إلى جماعة إجرامية. وعلى مستوى الدول صار احتجاز أشخاص بوصفهم أوراق تفاوض ظاهرة موصوفة باسمها: «دبلوماسية الرهائن».
ويجمع هذه الحالات شرط واحد: لا يمكن أن يبدل إنسان إلا إذا كان خارج السجل. فما دام له رقم وتاريخ وزيارة، فإن أي محاولة لاستعمال هويته أو تقديمه على أنه شخص آخر تصطدم بورقة تنفي الرواية. الغموض ليس ظرفا يحيط بالتبديل; إنه أداته.
وينطبق التمييز نفسه على الاستغلال الجنسي. فالعنف الجنسي داخل الاحتجاز السري موثق في الأرجنتين وتشيلي والمغرب وسوريا، والنساء المختفيات في مقدمة المعرضين له – لكنه نتيجة للاختفاء، ووظيفته إذلال من لا يستطيع أن يشتكي.
أما أن يكون إدخال الشخص في شبكات الدعارة سببا لإخفائه، فادعاء من نوع آخر، والمنطق يضعفه قبل الدليل: شبكات الاتجار تختار من لا يبحث عنه، بينما الاختفاء القسري ينتج بالضبط من يبحث عنه بأشد ما يكون.
والخلاصة التي يمكن الدفاع عنها كاملة: الاحتجاز خارج الرقابة يزيل آليات الكشف كلها، فأي انتهاك يقع لا يمكن إثباته، والأخطر أنه لا يمكن نفيه. الاختفاء لا ينشئ سوق الاستغلال، لكنه يصنع شروطها. ومن صنع الشرط لا يعفيه أنه لم يباشر الفعل.
الأرجنتين أنشأت مركزا قانونيا اسمه «الغياب بسبب الاختفاء القسري» يحفظ حقوق العائلة دون إلزامها بإعلان وفاة، والبوسنة أنشأت سجلا مركزيا للمفقودين، ولبنان أقر القانون 105 لعام 2018 معترفا بحق الأهالي في معرفة المصير
المنطقة الرمادية
الأكثر قسوة في الاختفاء القسري أن الإنسان لا يفقد حريته فحسب، بل قد يفقد وجوده أمام الآخرين. يصبح اسمه ذكرى، وصورته معلقة في بيت، وملابسه محفوظة في خزانة، وأهله بين احتمالين لا يستطيعون حسمهما: هل ننتظر عودته؟ أم نبدأ الحداد عليه؟
لا حياة مؤكدة، ولا موت مؤكد.
لكن هذه ليست حالة شعورية فحسب، إنها وضع قانوني له آثار تقاس: الميراث معلق، والزوجة لا زوجة ولا أرملة، وحضانة الأطفال في فراغ، والراتب مجمد، والبيت لا ينقل. وفي نهاية الطريق تدفع العائلة إلى استخراج شهادة وفاة لا تصدقها مقابل أن تستأنف حياتها – أي أن توقع على رواية الدولة عن غياب صنعته الدولة.
وقد عالجت دول هذا: الأرجنتين أنشأت مركزا قانونيا اسمه «الغياب بسبب الاختفاء القسري» يحفظ حقوق العائلة دون إلزامها بإعلان وفاة، والبوسنة أنشأت سجلا مركزيا للمفقودين، ولبنان أقر القانون 105 لعام 2018 معترفا بحق الأهالي في معرفة المصير. الحل معروف ومجرب؛ غيابه اختيار لا عجز.
وكل ما سبق ممكن لأن شيئا واحدا غائب: الجواب. ومن هنا يبدأ الجزء الثاني.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
اقرأ أيضا: انطلاق دوريات الفئات السنية غدًا بمشاركة 18 ناديًا في كل مسابقة
