Published On 2/9/2026
اقرأ أيضا: حصر السلاح بيد الدولة في العراق.. هل تسلم الفصائل أسلحتها؟
وصف الفيلسوف اليوناني أرسطو، الملقب بـ”المعلم الأول”، الشعوب غير اليونانية بـ”البرابرة”، إذ كان ينظر إلى الإغريق بأنهم في قمة التطور العقلي والسياسي. وفي نظره، لم تكن الشعوب الأخرى، خاصة “الشعوب الشرقية في الشرق الأوسط، والشعوب الأوروبية في شمال وغرب أوروبا”، سوى مجتمعات بدائية. في ذلك الوقت، كانت بلاد اليونان تشهد تنظيما سياسيا متقدما ونظاما ديمقراطيا، بينما كان الأوروبيون في الشمال والغرب مجرد قبائل لا تعرف التنظيم السياسي، وعاجزة عن تأسيس دول منظمة أو بناء حضارة.
في المقابل، كانت شعوب الشرق الأوسط أكثر تنظيما واستقرارا، وصاحبة حضارات ضخمة وعريقة، بينما كانت أوروبا تعيش البدائية لقرون طويلة امتدت حتى أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، وهي الفترة التي عرفت بالعصور الوسطى “المظلمة”، وكان من أبرز ملامحها هيمنة الكنيسة وتحولها إلى القوة السياسية والروحية المطلقة.
لم يكن كوبرنيكس أول من قال بمركزية الشمس، فقد سبقه علماء المسلمين، أبرزهم العالم الفلكي “ابن الشاطر”، ويرجع ذلك لارتباط العلم بالدين في الحضارة الإسلامية وتشجيعها على البحث الكوني
كوبرنيكس ومركزية الكون
استمرت الكنيسة، حتى بدايات عصر النهضة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، في فرض هيمنتها الكاملة على الحياة الفكرية والسياسية والعلمية في أوروبا، وأصبحت سلطتها الروحية والزمنية فوق كل سلطة، لدرجة احتكارها حق منح “صكوك الغفران” لطالبي النجاة في الآخرة. في تلك الأثناء، كان الاعتقاد السائد والحقيقة العلمية المطلقة بنظر الكنيسة هي أن الأرض مركز الكون، إلى أن جاء كوبرنيكس، وهو ابن الكنيسة وأحد أبرز رجالات عصر النهضة، بنظريته التي ترى أن الشمس هي مركز الكون وليس الأرض. وبما أن الكنيسة كانت تفرض وصايتها المعرفية، فقد رفضت فرضية كوبرنيكس واعتبرتها تهديدا مباشرا لهيبتها الفكرية.
لا يوجد في نصوص الكتاب أو السنة ما يثبت مركزية الشمس أو الأرض للكون، فالمنظور القرآني يشير إلى أن جميع الأجرام السماوية متحركة وغير ثابتة. وجاء ذكر “كوبرنيكس” ونظريته لمركزية الشمس باعتباره من أبرز رجال عصر النهضة في أوروبا، ولتأكيد أن علماء المسلمين كانوا أصحاب السبق الريادي في شتى العلوم الفلكية والطبية والهندسية.
اقرأ أيضا: انطلاق دوريات الفئات السنية غدًا بمشاركة 18 ناديًا في كل مسابقة
لم يكن كوبرنيكس أول من قال بمركزية الشمس، فقد سبقه علماء المسلمين، أبرزهم العالم الفلكي “ابن الشاطر”، ويرجع ذلك لارتباط العلم بالدين في الحضارة الإسلامية وتشجيعها على البحث الكوني. واستمرت الكنيسة الكاثوليكية في فرض سلطتها الفكرية والسياسية حتى فجر الراهب مارتن لوثر ثورته الدينية التي عرفت بـ”عصر الإصلاح البروتستانتي”، الذي انحسرت معه هيمنة الكنيسة الكاثوليكية على العقول والسياسة.
وتعد هذه الثورة الدينية اللبنة الأولى والبداية الفعلية لعصر النهضة، الذي مهد الطريق لاحقا لعصر التنوير، وتعد الثورة الفرنسية من أبرز ملامح عصر التنوير، التي أعادت تشكيل وجه أوروبا الحديث.
كان من أبرز إنجازات عصر التنوير صعود الدولة القومية الحديثة وتراجع الدور السياسي للمؤسسة الدينية
عصر التنوير والتحرر من السلطة الكنسية
شهد القرن الثامن عشر قمة عصر التنوير، وتوجت مبادئه بقيام الثورة الفرنسية، التي اعتبرت ثورة أيديولوجية بامتياز، فقد نجحت في تقويض النفوذ السياسي والاقتصادي للكنيسة الكاثوليكية، وأرست مبادئ العلمانية وفصل الدين عن الدولة. وقد قدم عصر التنوير منظومة فلسفية قوامها “العقلانية”، وهي الإيمان بأن العقل هو المصدر الأساسي للمعرفة والمعيار الوحيد للحقيقة، بالإضافة إلى النزعة الإنسانية والفردانية.
وكان من أبرز إنجازات عصر التنوير صعود الدولة القومية الحديثة وتراجع الدور السياسي للمؤسسة الدينية. وهكذا، بعد أن عاشت أوروبا في ركود وتخلف منذ القرن الثالث قبل الميلاد وحتى فجر العصر الحديث، حين وصفهم أرسطو بالبرابرة لعيشهم في قبائل بدائية، استطاعت بفضل التنوير التحرر من قيودها، في الوقت الذي كانت فيه بلاد الشرق الأوسط قد عرفت التنظيم السياسي والدول المستقرة منذ قديم الزمن، وتحديدا في ظل الحضارة الإسلامية التي قامت على التناغم والارتباط الوثيق بين الدين والعلم والسياسة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
اقرأ أيضا: قطر تدين استهداف إيران للناقلة السعودية «سدر» وتطالب بفتح مضيق هرمز

