تراجع الحياة السياسية في بريطانيا: تحليل أحمد مصطفى

13 مايو 2026 00:20 صباحًا | آخر تحديث: 13 مايو 00:21 2026

أشار زعيم «حزب الخضر»، زاك بولانسكي، إلى أن الانتخابات المحلية في إنجلترا والبرلمانين الإقليميين في ويلز واسكتلندا كشفت موت النظام الحزبي التقليدي في البلاد، وتحديدًا الحزبين الأساسيين: العمال والمحافظين.

منذ توليه القيادة العام الماضي، نجح بولانسكي في تحويل «حزب الخضر» من كونه حزبًا بيئيًا إلى قوة يسارية اشتراكية جذب بها قطاعات من اليسار البريطاني، واحتفل بالإنجازات غير المسبوقة التي حققها حزبه في الانتخابات الأخيرة، معظمها جاء من خسائر فادحة لحزب العمال بقيادة كير ستارمر، الذي تكبد أسوأ هزيمة في تاريخه.

المفاجأة الأبرز كانت هيمنة «حزب الإصلاح» اليميني المتطرف بقيادة نايجل فاراج، حيث حصد أكبر عدد من المقاعد في المجالس المحلية، وأصبح ثاني أكبر قوة معارضة في برلمان ويلز بعد الحزب القومي الويلزي «بلايد كمري». على النقيض، تراجع «الحزب القومي الإسكتلندي» في برلمان اسكتلندا ليكون خلف حزبي العمال والمحافظين.

رغم توقعات الاستطلاعات بتقدم اليمين المتشدد، جاءت النتائج الفعلية أكبر من المتوقع، خاصة وأنها تعكس تصويتًا انتقاميًا ضد كلا من الحكومة والمعارضة، مما منح فرصة لحزب فاراج، وكذلك لحزبي الخضر والديمقراطيين الأحرار للاستفادة من هذا الغضب الشعبي.

تكمن جذور هذا التحول في فقدان الثقة بالحكومة الحالية التي يقودها ستارمر، التي لا تحظى برضا أكبر مما كان عليه الحال مع الحكومات المحافظة التي سبقتها قبل فوز العمال عام 2024. ويرى بولانسكي أن زمن هيمنة الحزبين الكبار قد انتهى، وأن المشهد السياسي الجديد يتشكل بين قوى الإصلاح والخضر.

بالرغم من الأعداد الكبيرة للمقاعد والنتائج اللافتة، إلا أن المشهد السياسي في بريطانيا لم يشهد عودة كاملة إلى قطبية اليمين المتطرف واليسار المتشدد كما في بعض الدول الأخرى.

بمرور الوقت، يتضح أن القوى السياسية التقليدية، التي هيمنت على المشهد منذ الثمانينات، تواجه تحديات حقيقية تفترض قراءة جديدة للواقع السياسي، حيث لم تتبلور بعد وجهة واضحة للتيارات المتطرفة على الجانبين اليميني واليساري.

تتمثل أحد النقاط الجوهرية بأن بريطانيا ليست على وشك الانزلاق الكامل إلى التشدد الشعبوي أو التحولات الخطيرة كما حدث في بعض الدول الغربية، بل تواجه أزمة في السياسة التقليدية كانت لسنوات نموذجًا للديمقراطية التمثيلية الرأسمالية.

بعيدًا عن الشعارات الجامدة، هناك تحول عام يشهده الواقع السياسي في دول كثيرة حول العالم، حيث لم تعد انتماءات الناخب مبنية على تصنيفات ثابتة وإنما تتقلب بسرعة بفعل عوامل عدة، أبرزها وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا التي أصبحت مؤثرًا رئيسيًا في تكوين الرأي العام.

هذا التحول لا ينذر بموت السياسة، وإنما بتغيرات جذرية تتطلب من القوى السياسية التكيف مع هذا الواقع المتجدد، وهو ما يظل قيد التشكّل ويعكس حالة من عدم الاستقرار والاضطراب تمتد إلى مختلف مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

وفي سياق الانتخابات المحلية، تجدر الإشارة إلى أن التصويت فيها لا يعكس بالضرورة توجهات الانتخابات العامة التي تحدد الحكومة، كما أن المزاج الشعبي قد يتغير بسرعة بعد أولى محطات الأداء العملي للمسؤولين الجدد في إدارات البلديات، مما يجعل المشهد السياسي مفتوحًا على مزيد من التغيرات المفاجئة.