التوتر العالمي في ظل الحصار المزدوج: تحليل د. عبدالله بلحيف النعيمي

في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة، برز موضوع الحصار المزدوج على مضيق هرمز كأحد القضايا الأكثر تعقيداً وإثارة للجدل، خاصة مع الاختلاط الواضح بين القانون والوقائع العسكرية والسياسية في تفسير الوضع. حيث تلاحظ أن العديد من البرامج التحليلية تعتمد بشكل خاطئ على بنود اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وكأنها قابلة للتطبيق مباشرة، علماً بأن أهم الأطراف المعنية، إيران والولايات المتحدة، ليستا ملتزمتين بهذه الاتفاقية، ما يجعل تلك النصوص غير ملزمة قانونياً في هذا السياق.

مما يزيد الأمر تعقيداً، هو استدعاء بعض التحليلات لمعاهدات غير موجودة في القانون البحري الدولي، كـ«معاهدة جوميكا» التي لا وجود لها، أو استخدام نصوص لا علاقة لها بقضايا المضائق البحرية. هذا التداخل بين النصوص القانونية غير الدقيقة والواقع السياسي يعكس صورة مشوشة وغير دقيقة تضلل الرأي العام، مما يستدعي توضيح الوضع القانوني الحاضر، الذي يصفه البعض بالفراغ القانوني، وسط حصار مزدوج، ووجود منظمة بحرية بدون أدوات تنفيذية، ما يثير مخاوف اقتصادية عالمية بالغة الجدية.

يصعب تجاهل أن مضيق هرمز، والذي يعتبر الشريان الحيوي لتدفق نحو خمس إنتاج الطاقة العالمي، يعيش وضعاً غير مسبوق حيث تحيط به ضغوط من جهتين متقابلتين. في هذا السياق، تعمد القوى الدولية والإقليمية إلى إرسال رسائل ضغط متبادلة، فيما الأسواق العالمية ترقب بقلق بالغ، خشية أن يتطور هذا التوتر إلى أزمة طاقة ذات نطاق عالمي يصعب إدارتها.

تحديات قانونية وأمنية في مضيق هرمز

يمثل واقع عدم انضمام إيران والولايات المتحدة إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تحدياً كبيراً لقضية المرور الآمن في المضيق. فغياب الالتزام بمبدأ «المرور العابر» يحرم الملاحة عبر هرمز من الحماية القانونية المعتادة، ولا يفتح الباب أمام اللجوء للهيئات القضائية الدولية حيث يقتضي الأمر قبول الطرفين، وهو أمر مستبعد في الوقت الراهن. لذلك، يسيطر القانون العرفي الدولي، الذي يفتقر إلى الدقة والصرامة، مما يفسح المجال لتفسيرات متباينة وتحكم القوة على حساب القانون.

بالنسبة للمنظمة البحرية الدولية، فإن الأمر يعني مواجهة تحديات تفوق قدراتها الحالية، إذ تفتقر هذه المنظمة إلى قوات بحرية وتدابير عقابية تمكنها من فرض القانون أو التعامل مع الحصار. تقتصر مهمتها على إصدار التحذيرات، والتوصيات الفنية، وإدانات أفعال العنف، مع التذكير بالالتزامات الدولية في مجالات السلامة، والتلوث، وأمن السفن. بينما القوة الحقيقية التي تفرض النظام تأتي من التفاعل غير المباشر للنظام البحري العالمي، مثل رفع شركات التأمين للأقساط، وتشديد إجراءات الموانئ، وتغيير مسارات الشحن، وهو ضغط غير مباشر ولكنه ليس بديلاً عن القوة العسكرية أو الصلاحيات القانونية القوية.

انعكاسات اقتصادية وخطر التصعيد

في حال انقطع المرور في المضيق، ستكون تداعيات ذلك سريعة ومباشرة على الاقتصاد العالمي، إذ يمر من خلاله يومياً ما بين ٨ إلى ١٠ ملايين برميل نفط، مع محدودية بدائل خطوط الأنابيب. يؤدي هذا الانقطاع إلى زيادة حادة في أسعار الطاقة، واضطراب سلاسل التوريد، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، كما أن القلق من المجهول يفاقم رد فعل الأسواق أكثر من حجم الكميات الفعلية.

ويجدر هنا تصحيح المفهوم الخاطئ القائل بأن ارتفاع أسعار النفط يعود بالفائدة على الدول المصدرة. الواقع مختلف، إذ تعاني دول الخليج خسائر فورية بسبب عجزها عن تصدير النفط الذي يتراكم في الخزانات، مما يجبرها على خفض الإنتاج قسراً وخسارة إيرادات جوهرية، حتى مع ارتفاع الأسعار. كما أن زيادة تكاليف الشحن والتأمين، ورفض بعض السفن الإبحار عبر المنطقة، تزيد العبء الاقتصادي على هذه الدول.

تاريخ مضيء بنماذج الحصار البحري

التجارب التاريخية تشير إلى أن المضائق البحرية كانت دوماً نقاط ضعف استراتيجي. إغلاق قناة السويس بين ١٩٦٧ و١٩٧٥، مثلاً، أجبر الملاحة على الدوران حول رأس الرجاء الصالح، ما أدى إلى زيادة تكاليف الشحن وبقاء الأسطول الأصفر عالقاً لثماني سنوات. كذلك شهد مضيق باب المندب جزئياً إغلاقاً عام ١٩٧٣ أثر على إمدادات النفط لأوروبا، واستخدمت الدولة العثمانية مضيقي البوسفور والدردنيل كورقة ضغط في الحرب العالمية الأولى ضد روسيا.

ما يميز الوضع الحالي هو تزامن عدة عوامل نادرة الحدوث: الحصار المزدوج من الداخل والخارج، غياب الإطار القانوني الصريح لدعم الملاحة في المضائق، واعتماد العالم بشكل غير مسبوق على مضيق هرمز كممر رئيسي للطاقة. هذه العوامل مجتمعة تخلق بيئة بحرية استثنائية محفوفة بالمخاطر والتحديات.