مراجعة تحليلية لـ “التحقيب الكونتي” في تطور الفكر – صلاح سالم

شهد الفكر الأوروبي خلال التنوير تطورات متباينة بين مدرستين أساسيتين؛ ففي حين تبنّى التيار المادي في ألمانيا موقفًا رافضًا لفكرة الإله، كما فعل لودفيج فيورباخ الذي أنكر وجوده، أو كما أعلن نيتشه عن “موته”، تبنى العقل الفرنسي نهجًا أكثر تشككًا، بعيدًا عن الإنكار القطعي. فقد تنوعت مواقف المفكرين الفرنسيين في القرن الثامن عشر، فمنهم من تبنى اللاأدرية مثل ديدرو، ومنهم من اعتمد الربوبية كفولتير وروسو، وانطلق البعض في اتجاه تفكيكي مع مفكرين مثل فرانسوا ليوتار، وجاك دريدا، وميشيل فوكو. هذه التيارات جاءت في ظل فكر أوغست كونت، الذي يعد من أبرز فلاسفة القرن التاسع عشر، والذي طرح تصورًا للتطور التاريخي للوعي البشري عبر ثلاثة مراحل رئيسية: مرحلة الفكر الديني أو اللاهوتي، تلتها المرحلة الميتافيزيقية، ومنها وصلنا إلى الفكر العلمي أو الوضعية الذي يمثل قمة العقلانية الحديثة.

تُعدّ هذه المراحل تطورًا تدريجيًا لا رجعة فيه؛ إذ تمثل المرحلة الدينية الشكل البدائي للوعي الإنساني، يليه الفكر الميتافيزيقي الذي يحتل موقعًا وسيطًا بين الدين والعقلانية، قبل أن تصل البشرية إلى المرحلة الوضعية التي تتجاوز السابقة بمفاهيم أكثر نضجًا. هذا الانتقال يؤدي إلى نهاية تأثير الدين كطريقة أساسية لفهم العالم والتاريخ، والصيرورة نحو سؤال جديد يتركز حول كيفية المعرفة بدلاً من سبب الوجود. غير أننا نتصدى لتحليل كونت، ونجد أن تصنيفه يعاني من قصور في فهم عمق ومتانة تاريخ الحقيقة، حيث يتجاهل أهمية مرحلة ما قبل الدين التي وسمها بالبدائية والأسطورية، والتي يغلب عليها الفكر الخرافي الذي يفتقر إلى التأمل النظري.

قبل أن يظهر الفكر الديني وتنمو حضاراته، بقي الفكر الأسطوري هو المسيطر على وعي الإنسان، وينبغي اعتبار مرحلة الدين القديمة بمثابة نقلة نوعية في تطور العقل الإنساني. فقد ساهم الدين في تشكيل جذور المجتمعات الكبرى سواء في الشرق أو الغرب، وتهيئة الأرضية التي سمحت بتقدم العقل ووصوله إلى الفهم العلمي الحديث.

لقد قدمت الأديان التوحيدية، وعلى رأسها الدين الإسلامي والمسيحي، مفاهيم وجودية أوجدت نقلة شكلية في وعي الإنسان تجاه الطبيعة والكون. نفي فكرة أن الكون من صراع بين آلهة متعددة أو أن الظواهر الطبيعية محكومة بأرواح أو طقوس سحرية، بل صاغت مشروع إلهيًا موحدًا خالقًا فوق الطبيعة، يحكمها بقوانين ثابتة ومنظمة. هذا التوحيد أسس لبداية العلم الحديث، من خلال توفير أرضية فلسفية أنطولوجية تحرر العقل من الأساطير التي كانت تعرقل فهم الظواهر الطبيعية.

الميتافيزيقا بين الدين والعلم

القول بأن الميتافيزيقا تشكل مرحلة مستقلة كما طرح كونت، لا يصمد أمام تحليل عميق، إذ لم تكن منفصلة تمامًا، بل تداخلت مع الفكر الديني والعلمي، متبادلة معهما الأسئلة والحلول حول مفاهيم الوجود والخلق والمصير. فعبر التاريخ، وجدنا الميتافيزيقا جزءًا من التراث الثقافي القديم مثل اليونان القديمة، حيث تزامنت مع نمو الديانات التوحيدية مثل اليهودية التي سبقت المسيحية. وفي المسيحية والإسلام، استُخدمت الميتافيزيقا لإعادة صياغة الفلسفات اليونانية كأفكار أفلاطونية وأرسطية، لتفسير وجود الله والكون.

بالإضافة إلى ذلك، لم يغادر فلاسفة الفكر الحديث مثل ديكارت وأشباهه الميتافيزيقا، بل كانوا من أبرز منظريها، وهم الذين أسسوا لعلمانية المعرفة الحديثة عبر محاولاتهم الفلسفية العميقة.

هكذا، يمكن إعادة تنظيم مراحل تطور الوعي البشري في ثلاثة أبعاد رئيسة: المرحلة البدائية أو الأسطورية التي سبقت الدين، تلتها المرحلة الدينية الكلاسيكية التي هيمنت على الفكر لفترة طويلة، وأخيرًا المرحلة الوضعية التي تجسد العقلانية العلمية الحديثة. أما الميتافيزيقا فتمتد بين المرحلتين الأخيرتين، حاضرة بقوة مع الفكر الديني وأقل عمقًا مع التفكير العلمي.