في السابع من يونيو/حزيران الماضي غادر الرئيس الكاميروني بول بيا العاصمة ياوندي، قاصدا أوروبا فيما وصفه مكتبه بـ”رحلة خاصة قصيرة”، لكن ما حدث أن الرحلة طالت لتتجاوز الشهرين بعدة أيام.
اقرأ أيضا: من «طريق الموت» إلى شريان حياة.. السعودية تعيد نبض الحياة لـ 5 ملايين يمني في «هيجة العبد»
لا شك أن الأمر يثير الاهتمام ويستحق التوقف أن يغيب رئيس عن بلاده كل هذه الفترة دون سبب معلن، فما بالك والأرقام التي تحاصرك هنا لا تقتصر على 66 يوما خارج البلاد، وإنما ينضاف إليها 93 سنة هي عمر الرئيس، و44 سنة هي فترة بقائه في السلطة.
جغرافيا وتاريخ
الدولة التي تقع وسط غرب أفريقيا ويسكنها نحو 30 مليون نسمة على مساحة نحو نصف مليون كيلومتر مربع، نالت استقلالها عن فرنسا في اليوم الأول من عام 1960، بعد عقود من الاحتلال شاركت فيها كل من ألمانيا وبريطانيا وفرنسا.
ومنذ الاستقلال لم تعرف جمهورية الكاميرون إلا رئيسين اثنين، أولهما أحمد أهيدجو الذي تولى المنصب من 1960 إلى 1982، حيث أعلن الرجل استقالته بدعوى الظروف الصحية، تاركا مكانه لرئيس الوزراء آنذاك بول بيا الذي استفاد من بند دستوري يمنح رئيس الوزراء حق تولي منصب رئيس الجمهورية في حالة شغوره.
استمر بيا في قيادة البلاد عبر محطات سياسية مختلفة، بفضل فوزه المتتالي في كل الانتخابات الرئاسية التي شهدتها البلاد بعد اعتلائه كرسي الحكم، وكان آخرها العام الماضي في انتخابات تخللتها احتجاجات شعبية، قالت وكالة أسوشيتدبرس إنها كشفت توترات بين السكان الذي يتكون أغلبيتهم من الشباب وزعيمهم المتقدم في السن.

في سويسرا
تقول تقارير إعلامية أن غياب الرئيس عن البلاد لفترة طويلة أثار مخاوف حول حالته الصحية كما تسبب في انتقادات داخلية تتعلق بفراغ محتمل في السلطة.
وفي الأسبوع الماضي، خرجت حكومة الكاميرون عن صمتها لتؤكد أن الرئيس الذي يعد الأكبر سنا بين زعماء العالم المنتخبين موجود في سويسرا وأنه على قيد الحياة وأن عودته بات قريبة، دون أن تحدد موعدا لها.
حسب صحيفة “لا نوفيل تريبون (La Nouvelle Tribune)، فقد كان للرئيس بيا غياب مشابه في خريف عام 2024، لكنه استمر 42 يوما فقط عاد بعدها للظهور العلني.
أما أسوشيتدبرس فقد أشارت إلى أن الرئيس الكاميروني اعتاد القيام برحلات طويلة إلى أوروبا تستمر أسابيع تاركا الحكم لمسؤولي الحزب الرئيسيين وكذلك أفراد أسرته، ومع ذلك فقد ثارت هذه المرة تكهنات كبيرة بشأن صحة الرئيس.
المعارضة في الكاميرون انتقدت هذا الغياب خصوصا مع عدم وجود نائب للرئيس، وقالت بشكل ساخر إن البلاد يتم إدارتها “وفقا لنظام الطيار الآلي”.
أما زعيم المعارضة عيسى تشيروما باكاري فأكد وجود اعتقاد واسع النطاق في الكاميرون بأن “الأمور ليست على ما يرام” بالنسبة للرئيس، مؤكدا أن طول غيابه يزيد من افتقاره للشرعية ويظهر محاولته المستميتة للتمسك بالسلطة بالقوة.
وجاءت تصريحات باكاري في رسالة وجهها من منفاه في غامبيا، علما بأنه كان حليفا سابقا للرئيس ووزيرا في حكومته، ثم خسر ضده الانتخابات الأخيرة التي جرت في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، حيث شكك في النتائج وتحدث عن تجاوزات شابت العملية الانتخابية.

تغييرات عسكرية
قصة غياب الرئيس اكتسبت بعدا أكثر إثارة قبل أيام، بعدما تم الإعلان عن تغييرات في صفوف القيادة العسكرية العليا، بمقتضى أوامر من الرئيس بول بيا الذي استبدل قادة أربع من المناطق العسكرية المشتركة الخمس في البلاد، كما رقى عددا من كبار الضباط إلى رتب أعلى.
اقرأ أيضا: غضب بين جنود الاحتلال وقلق بواشنطن إزاء إرهاب المستوطنين بالضفة | أخبار
لم يتم الإعلان عن أسباب أو ملابسات هذه التغييرات، لكن أحد القادة الذين جرى استبدالهم كان قد توفي، فيما تقاعد قائد آخر، وفقا لما نقلته وكالة الأنباء الألمانية عن أسوشيتدبرس.
واعتبرت تقارير محلية أن التغييرات تعني استمرار الرئيس في ممارسة صلاحياته الدستورية رغم وجوده خارج البلاد.
بدوره، نقل راديو أفريقيا عن الصحفي الكاميروني جان برونو تاغني، أن هذه التعيينات قد تُسهم في فرض إجراءات أمنية مشددة في البلاد.
ووفق المصدر نفسه، فإن هناك تكهنات ترى أن التغييرات التي شملت ترقية قائد الحرس الرئاسي، ربما تعكس رغبة في تأمين بنية السلطة قبل انتقال محتمل يتضمن إزاحة الرئيس بول بيا بعد أن يقوم بتفعيل التعديل الدستوري الذي نص على استحداث منصب نائب للرئيس.
ولم يفوت تاغني الفرصة لانتقاد خلو الدستور الكاميروني من أي نص يتعلق بغياب رئيس الدولة في الخارج لفترات طويلة، مؤكدا أنه أمر مؤسف يظهر قصور النظام المؤسسي في البلاد، حيث لا يعرف الكاميرونيين أين رئيسهم ولا متى يعود.
في متابعته لما يجري في الكاميرون، يتحدث موقع راديو الشرق (radio orient) عن مخاوف من خلافات على السلطة قد تنشب بين عدة جهات أبرزها الحزب الحاكم والجيش وعائلة الرئيس بيا، قبل أن يلخص حال البلاد في جملة لافتة:
“لا يوجد فراغ دستوري معلن، لكن يوجد فراغ في اليقين السياسي، أو بالأحرى بشأن من يملك مفتاح السلطة عندما يغيب صاحبها”.
اقرأ أيضا: المرونة العصبية.. كيف يتعلم دماغنا من جديد؟…
