
عمان – غالبا ما تبدو تشخيصات مرض التصلب المتعدد (MS) وكأنها حكم نهائي بأن “تلف الأعصاب لا يمكن إصلاحه”. لكن هذه ليست سوى نصف الحقيقة؛ فدماغنا يتملك القدرة على إعادة هيكلة نفسه، وبناء مسارات جديدة، وتعويض ما تم فقده. تُسمى هذه القدرة بـ”المرونة العصبية” (Neuroplasticity). والخبر السار أنه يمكن تدريبها وتطويرها.
ما هي المرونة العصبية ببساطة؟
كان السائد قديماً أن دماغ الشخص البالغ ثابت لا يتغير: الخلايا العصبية تموت ولا تتجدد، والوظائف تُفقد إلى الأبد. أما اليوم، فالعلوم تؤكد عكس ذلك؛ إذ يُعد الدماغ نظاماً مرناً يتغير ويتشكل باستمرار بناءً على التجارب والخبرات.
عندما تتلف بعض الخلايا العصبية (كما يحدث عند الإصابة بالتصلب المتعدد)، يمكن للخلية المجاورة أن تتولى مهامها عبر إنشاء روابط وشبكات جديدة. يشبه الأمر تماما “طريقا دورانيا بديلا”، فعندما يُغلق الطريق السريع الرئيسي، يتم شق مسار جديد للوصول إلى الهدف، لكن هذا يتطلب وقتا وجهدا.
ماذا تقول الدراسات والأبحاث؟
المرونة العصبيّة ليست مجرد “قوة خارقة” ولدنا بها، بل هي آلية يمكن تنشيطها وتحفيزها؛ حيث يتغير الدماغ بشكل فعال استجابةً للتعلم، التكرار، واكتساب الخبرات الجديدة.
تؤكد أبحاث العامين الماضي والحالي أنه حتى في حالات الإصابات العصبية الشديدة، يحتفظ الدماغ بقدرته على إعادة التنظيم. ولوحظ عند المصابين بالتصلب المتعدد الذين يمارسون التمارين الإدراكية، وإعادة التأهيل البدني حدوث تغيرات هيكلية في القشرة المخية.
كما أظهرت دراسة نُشرت في مجلة Nature Neuroscience العام الماضي، أن التدريب الموجه والمكثف يمكن أن يحسن الذاكرة ويسرع معالجة المعلومات لدى مرضى التصلب المتعدد، بفضل تشكل روابط عصبية جديدة.
كيف تدرب مرونتك العصبية؟ ممارسات بسيطة
تُنشّط المرونة العصبيّة عبر عاملَين أساسيَّين: التكرار والتجديد. يوجد خمس طرق لمساعدة الدماغ على إعادة بناء نفسه:
– تعلم كل ما هو جديد: المهارات الجديدة هي أفضل “غذاء” للدماغ. تعلم لغة جديدة، عزف آلة موسيقية، الحياكة، أو الرسم. حتى 15 دقيقة فقط، من نشاط جديد يومياً تحفز بناء روابط عصبية جديدة.
– لا تدع دماغك يركد: قم بحل الكلمات المتقاطعة، السودوكو، والألغاز. ملاحظة مهمة: يجب أن تكون هذه الألغاز أعلى قليلاً من مستواك الحالي؛ وإذا أصبحت سهلة بالنسبة لك، فقم بتغييرها فوراً.
– مارس النشاط البدني: أثبتت الدراسات أن التمارين الهوائية (الأيروبيك) المنتظمة تحفز إنتاج عامل التغذية العصبي المستمد من الدماغ (BDNF) – وهي مادة تساعد الخلايا العصبية على البقاء، وتكوين شبكات جديدة.
– أدخل الابتكار والتجديد على روتينك: غيّر مساراتك اليومية المعتادة، أعد ترتيب الأدوات على مكتبك، أو فرّش أسنانك باليد الأخرى. يعشق الدماغ المهام غير التقليدية لأنها تجبره على إنشاء مسارات عصبية جديدة.
– مارس اليقظة الذهنية (Mindfulness): تعمل التأملات وتمارين التنفس على تقليل مستويات التوتر، وتساهم بشكل فعال في ترميم الأنسجة الدماغية.
وماذا عن الواقع؟
المرونة العصبيّة حقيقة واقعة وليست خيالاً، لكنها تتطلب الصبر. فالنتائج لا تظهر في يوم أو أسبوع، بل هي بمثابة ماراثون طويل؛ إذ يحتاج الدماغ إلى أشهر وسنوات لإعادة هيكلة نفسه.
ملاحظة: كلما تدربت أكثر، زاد الأثر ووضحت النتائج. لكن إذا توقفت، قد تضعف المهارات التي اكتسبتها. لذلك، فإن السر والكلمة المفتاحية هنا هي الاستمرارية.
والخلاصة، أن الدماغ ليس عضواً جامداً، بل هو قادر على التكيف حتى مع الإصابات البالغة. مهمتك هي تزويده بالمادة الخام اللازمة لذلك: مهام جديدة، تدريبات منتظمة، وتنوع مستمر.
المرونة العصبيّة ليست معجزة، بل هي آلية متاحة للجميع- وخصوصاً لمن لديه الاستعداد للاستثمار فيها بوقته وجهده.
اقرأ أيضا: من خيار إضافي لضرورة.. لماذا أصبحت الدروس الخصوصية “مدرسة ثاني…
* الصيدلي إبراهيم علي أبو رمان
