رحلة داخل عاصمة الحرف التراثية في سوهاج.. النسيج والتلي يرويان حكاية حضارة عمرها آلاف السنين.. أخميم ما زالت تنسج الإبداع.. والتلي الشندويلي أول علامة تجارية جماعية لحرفة تراثية في مصر.. صور

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


 

اقرأ أيضا: “الأرصاد” يحذر من حرارة تبلغ 48 درجة وأمطار رعدية ورياح وأتربة تضرب عدة مناطق

في سوهاج لا تحتاج إلى زيارة المتاحف لتشاهد التاريخ، فهناك تاريخ آخر لا يزال حيا بين أيدي الحرفيين في مدينة أخميم تدور الأنوال اليدوية كما دارت منذ آلاف السنين، وفي جزيرة شندويل تتحرك الإبر بخيوط الفضة لتنسج زخارف تحمل روح الحضارة المصرية هنا لا تصنع الأقمشة والملابس فحسب، بل تصنع الهوية، وتحفظ ذاكرة وطن آمن بأن الجمال يولد من العمل والصبر.

رحلة قصيرة بين أخميم وشندويل تكشف أن الحرف اليدوية ليست مجرد مهنة توارثها الأبناء عن الآباء، وإنما لغة خاصة تتحدث بها الخيوط، وتحكي كيف استطاع المصري القديم أن يحول القطن والكتان والحرير والمعادن إلى أعمال فنية ما زالت تبهر العالم حتى اليوم.

 

أخميم.. عندما أصبح النول شاهدا على الحضارة

عرفت أخميم صناعة النسيج منذ العصر الفرعوني، واحتفظت بمكانتها عبر العصور اليونانية والرومانية والقبطية والإسلامية، حتى أصبحت واحدة من أشهر المدن المصرية في إنتاج المنسوجات اليدوية المدينة استحقت لقب “مانشستر ما قبل التاريخ” بعدما ذاع صيت منتجاتها داخل مصر وخارجها، فيما أشار المؤرخ الإغريقي هيرودوت إلى براعة أهلها في هذه الصناعة، موضحا أن النسيج كان يمثل العمود الفقري للحياة الاقتصادية في المدينة، وحتى اليوم، ما زالت الأنوال الخشبية تعمل داخل الورش، بينما تتوارث الأسر أسرار المهنة جيلا بعد جيل، لتخرج مفروشات وأقمشة تحمل طابعا مصريا أصيلا لا تستطيع الماكينات تقليده.

 

شندويل.. حيث تتحول الإبرة إلى ريشة فنان

وعلى الضفة الأخرى من الحكاية، تواصل سيدات جزيرة شندويل الحفاظ على واحدة من أجمل الحرف التراثية في مصر، وهي حرفة التلي وتجلس الحرفية أمام قطعة القماش البيضاء، وبجوارها بكرات الخيوط المعدنية اللامعة، لتبدأ في رسم زخارف دقيقة تعتمد على التناسق والصبر قبل المهارة، وكل غرزة تضيف بريقا جديدا، وكل قطعة تستغرق ساعات طويلة وربما أياما حتى تكتمل، لذلك لا توجد قطعتان متطابقتان، فلكل عمل فني بصمة صاحبته.

 

رحلة الجمال.. تبدأ بخيط وتنتهي بتحفة فنية

اللافت أن الحرفتين تكملان بعضهما البعض بصورة مدهشة ففي أخميم يولد القماش على الأنوال اليدوية، وبعدها ينتقل إلى شندويل ليكتسب هويته الأخيرة بخيوط التلي، فيتحول من قطعة نسيج إلى لوحة فنية تزينها الزخارف المعدنية المستوحاة من التراث المصري ، ولهذا أصبحت منتجات سوهاج اليدوية تتمتع بقيمة فنية كبيرة، لأنها تجمع بين دقة النساج ولمسات حرفية التلي في عمل واحد.

 

حرفة تحافظ على البيوت قبل التراث

ورغم القيمة التاريخية للحرفتين، فإن أهميتهما لا تتوقف عند الحفاظ على التراث، بل تمتد إلى دعم آلاف الأسر فالنسيج يمثل مصدر دخل رئيسيا لعشرات الورش في أخميم، بينما تعتمد مئات السيدات في شندويل على التلي كمصدر رزق يساعدهن على تحسين مستوى المعيشة، إلى جانب إتاحة الفرصة للفتيات لتعلم حرفة تضمن لهن دخلا مستداما وتسهم الجمعيات الأهلية والجهات المعنية في تنظيم برامج تدريبية لتأهيل الأجيال الجديدة، حتى لا تنقطع سلسلة نقل الخبرات التي استمرت قرونًا.

 

التلي الشندويلي.. إنجاز يحمي التراث

ومع تزايد الاهتمام الرسمي بالحرف التراثية، حققت سوهاج إنجازا مهما بتسجيل “التلي الشندويلي” كأول علامة تجارية جماعية لحرفة تراثية في مصر ويمثل هذا التسجيل خطوة كبيرة نحو حماية المنتج من التقليد، والحفاظ على حقوق الحرفيات، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات التراثية المصرية داخل الأسواق العالمية، وكما يعزز هذا الإنجاز مكانة سوهاج باعتبارها واحدة من أهم المحافظات الحافظة للحرف التقليدية.

 

قرية النساجين.. متحف يعمل طوال العام

وفي مدينة الكوثر، تقف قرية النساجين نموذجا عمليا للحفاظ على صناعة النسيج اليدوي، حيث تضم عشرات الورش والأنوال التي تنتج المفروشات والمنسوجات القطنية والحريرية، ولا تقتصر أهمية القرية على الإنتاج، بل أصبحت مقصدا للزائرين الراغبين في مشاهدة مراحل صناعة النسيج عن قرب، والتعرف على واحدة من أقدم الصناعات المصرية التي ما زالت تقاوم الزمن.

 

خيوط تصنع المستقبل

بين صوت النول في أخميم، ولمعان خيوط التلي في شندويل، تكتب سوهاج واحدة من أجمل صفحات التراث المصري فهذه الحرف لم تعد مجرد مهن تقليدية، بل أصبحت عنوانا للإبداع، ورسالة تؤكد أن الحضارة لا تقاس بعمر الآثار وحدها، وإنما بقدرة الإنسان على الحفاظ على ما ورثه من جمال، وتحويله إلى مستقبل يليق بتاريخ مصر.

ولذلك تبقى أخميم وشندويل وجهين لعملة واحدة الأولى تنسج القماش، والثانية تزينه، وبينهما يولد منتج يحمل توقيع الحضارة المصرية، ويؤكد أن سوهاج ما زالت عاصمة للحرف اليدوية التي تنبض بالحياة، وتستحق أن تجد مكانها على خريطة السياحة التراثية في العالم.

الأنامل الذهبية تقوم بالتطريز
الأنامل الذهبية تقوم بالتطريز

 

النسيج الأخميمى
النسيج الأخميمى

 

اقرأ أيضا: هجمات الحوثيين تعطل الإغاثة في الساحل الغربي لليمن وتهدد حياة المدنيين

جلسة تطريز داخل أحد المنازل
جلسة تطريز داخل أحد المنازل

 

خيوط الفضة تزين القماش
خيوط الفضة تزين القماش

 

دقه ومهارة فى العمل
دقه ومهارة فى العمل

 

رسومات فرعونية
رسومات فرعونية

 

شال يتم تظريزة بيد نساء جزيرة شندويل
شال يتم تظريزة بيد نساء جزيرة شندويل

 

مفروشات وملايات (1)
مفروشات وملايات (1)

 

مفروشات وملايات
مفروشات وملايات

 

من منتجات الانوال
من منتجات الانوال

 

منتج نهائى من العمل اليديوى
منتج نهائى من العمل اليديوى

 

موديلات من الملابس يظهر عليها العمل اليديوى
موديلات من الملابس يظهر عليها العمل اليديوى

 

اقرأ أيضا: موقف عربي موحَّد ورسالة من دمشق للأمم المتحدة بشأن الإعلان الكولومبي

‫0 تعليق