
أبدأ مقالي بجملة (تعاملنا مع المحور الشيعي المنهار، وسنتعامل مع المحور السني بالطريقة نفسها)، جملة صرح بها بنيامين نتنياهو ولا ينبغي قراءتها كتصريح عابر في سياق حرب، بل كإشارة إلى ما قد يكون أعمق من استهداف خصم بعينه، إعادة تعريف خريطة القوة والاصطفافات في الشرق الأوسط بأكمله، فإذا كان المحور الشيعي قد دخل، وفق الرؤية الإسرائيلية، مرحلة الانكشاف والتفكك، فهل نحن أمام انتقال من مواجهة محور إلى إعادة المنطقة على أساس محاور جديدة؟
وفي السياق نفسه، أشير إلى مقال نشرته صحيفة غلوبال تايمز بعنوان (بدت قوة أميركا بلا حدود حتى أثبت المستودع عكس ذلك) لأنه يضع اليد على الوضع الذي قد يصبح الأكثر حساسية في المرحلة المقبلة، وإمكانية تحمّل الولايات المتحدة لحرب طويلة مع إيران، بينما تدير في الوقت نفسه أعباء صراع استنزافي ممتد على أكثر من جبهة؟ فالمسألة لم تعد فقط من يملك التفوق العسكري، بل من يملك القدرة على تمويله وتسليحه واستدامته.
والأكثر دلالة أن النقاش حول مخزونات السلاح لم يعد حكراً على خصوم واشنطن أو على غرف التحليل، رغم عدم صحته، بل في المستودع، والمصنع، وسلاسل الإمداد، والزمن الذي تحتاجه الولايات المتحدة لتعويض ما تستهلكه الحرب. فهل هذه التصريحات من صالح أميركا أم أنها تكتيكات احتيالية. وقبل أن أبرر الأسباب لنحلل المشهد بالتفصيل.
التوقيت الحالي ليس توقيت سلام ولا تفاوض، إنه توقيت إعادة تموضع. غزة ما زالت نموذجاً للدمار المتراكم، ولبنان وسورية وإيران ليست ملفات منفصلة، بل حلقات في أزمة إقليمية واحدة.
وهنا يجب قراءة الرسائل الأميركية والإسرائيلية بحذر، فالتسريبات عن الخلافات، والانتقال بين التهديد والتفاوض، كلها أدوات وحرب نفسية في الوقت نفسه. المشكلة ليست في وجود الخداع السياسي. فهذا جزء أصيل من إدارة الصراعات. المشكلة أن المنطقة باتت تدفع ثمن هذا الغموض، فيما تتسع الفجوة بين ما يقال للإعلام وما يجري في غرف القرار.
في غزة، لا تبدو قضية السلاح منفصلة عن سؤال اليوم التالي. إسرائيل تريد إجابة عن من يحكم غزة، ومن يضمن أمنها، ومن يتولى السلاح، بينما يظل الخلاف حول الجهة التي يمكن أن تتولى هذه المهمة قائماً. ولذلك فإن الحديث عن نزع سلاح الفصائل لا يكفي وحده. السؤال الحقيقي هو نزع السلاح لمصلحة من؟ وبأي ضمانات؟ ومن يدير الأرض بعد ذلك؟ وكلما غابت الإجابة، تبقى الحرب قابلة لإعادة إنتاج نفسها.
الأخطر أن الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي لم يعد يُقرأ فقط باعتباره صراعاً على المقاومة أو الحدود أو الإدارة. إنه بالنسبة إلى أطرافه صراع على الوجود. وهذه هي النقطة التي تجعل الحديث عن مخطط الشرق الأوسط الجديد أكثر من مجرد شعار سياسي. مشاريع الضم وإعادة رسم مناطق النفوذ وإعادة تشكيل التحالفات لم تختفِ بل تغيرت أدواتها فقط.
سورية تقدم نموذجاً واضحاً لهذا التحول. ويبدو أن هنالك تمريرا مخابراتيا لإبداء المرونة بتصوير السنوار كنسخة سلوكية ستتكرر في سورية مقابل التنازل عن الكعكة الصفراء في الخفاء لصالح إسرائيل، وتبني مرونة مع الاستمرار سرا لتمرير نزاع أوسع نطاقا.
إذن.. واشنطن ليست في حرب واحدة، إنها تدير في الوقت نفسه أعباء إستراتيجية مرتبطة بأوكرانيا والشرق الأوسط والصين وروسيا. والحرب الإيرانية تختبر قدرة القاعدة الصناعة الأميركية على تعويض ما يُستهلك.
لن نكرر مقولة (نفدت الذخيرة)، لأننا لا نتحدث عن حرب شوارع محدودة، بل عن حرب إقليمية مفتوحة تتداخل فيها حسابات عسكرية واقتصادية وسياسية معقدة. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الحديث عن استنزاف المخزونات من خلال ثلاثة تفسيرات رئيسية، أولها: ارتفاع كلفة التسليح قد يُعاد توزيعه على دول الخليج وأوروبا وأوكرانيا، بحيث تتحول الحرب إلى سوق تمويل وتسليح تتحمل أطراف متعددة جزءاً متزايداً من فاتورتها أولها دول الخليج.
ثانيا، كيف يمكن لأوكرانيا أن تصعّد عملياتها ضد روسيا في الوقت نفسه الذي يتصاعد فيه الحديث عن ضغوط على المخزون الأميركي؟ أحد التفسيرات السياسية المحتملة أن واشنطن تريد إظهار أن كييف قادرة على تحمل مسؤولية حربها بنفسها، بما يخفف الاتهامات الموجهة إلى الولايات المتحدة بشأن حجم دعمها العسكري لأوكرانيا، ويمنح الإدارة الأميركية مساحة أكبر عالميا وداخليا للنأي بنفسها عن تفاصيل الصراع.
أما التفسير الثالث، فيتصل بالداخل الأميركي وبصورة القوة الأميركية نفسها. فإظهار الولايات المتحدة وكأنها تواجه ضغوطاً في المخزونات قد يتحول إلى أداة سياسية لتبرير إعادة بناء القوة العسكرية، وزيادة الإنفاق الدفاعي، وإقناع الرأي العام بأن استعادة الهيبة الأميركية تتطلب تعبئة صناعية وعسكرية واسعة. مما يبيض ورقته الإنتخابية وفي هذا السياق، قد تصبح الحرب الكبرى، أو التهديد بحرب كبرى، وسيلة لإعادة ترتيب أولويات القوة الأميركية وتمويلها بمساهمات مباشرة أو غير مباشرة من حلفاء وشركاء، مع بقاء جميع السيناريوهات الاستراتيجية، بما فيها القدرات الإسرائيلية المتقدمة، حاضرة في حسابات الردع.
وهنا يحاول ترامب، في قراءتي، استعادة صورة الرئيس القادر على فرض المعادلة. أي الرئيس الذي لا يكتفي بإدارة الحرب، بل يعيد تعريف قواعد القوة الأميركية أمام الداخل والخارج. لذلك فإن رواية (لا ذخيرة في قلب المعركة) لا ينبغي التعامل معها حرفياً فقط. فقد تكون في جانب منها أداة تمويلية، وفي جانب آخر أداة نفسية وسياسية، ورسالة تبريرية للرأي العام الأميركي والعالم بأن إعادة بناء الترسانة الأميركية ليست ترفاً، وإنما ضرورة مرتبطة باستعادة الردع والهيبة والاستعداد لحرب قد تكون أوسع من الجبهة الحالية.
الأعمق أن الولايات المتحدة قد تكون دخلت مرحلة الاستنزاف الذاتي لمكانتها، كل جبهة جديدة تستهلك جزءاً من القدرة التي تحتاجها واشنطن لجبهات أخرى، وكل حليف يعتمد عليها يضيف عبئاً جديداً إلى الحساب.
إذا كان الشرق الأوسط الجديد يُبنى بالقوة وإعادة تشكيل التحالفات، فنحن أمام إعادة توزيع طويلة للقوة لا نهاية للحرب.المعركة الحقيقية الآن تختبر حدود إسرائيل وإيران والولايات المتحدة معاً، وقد تكون كل هدنة مجرد استراحة لجولة أكبر.
وفي النهاية، سيحدد الصراع ليس من يربح المعركة، بل من يملك القدرة على فرض شكل المنطقة المقبلة.
