المرأة والمثقف والسلطة… البعد الحضاري في رواية «كيلوبترا الكنعانية»

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

أ. د. ليندا عبيد العياصرةجريدة الدستور الأردنية

اقرأ أيضا: لويس أراغون وسر تمجيده المرأة

لا تقف رواية «كيلوبترا الكنعانية» عند حدود إعادة تشكيل شخصية الملكة أو مساءلة صورة المرأة، بل تتجاوز ذلك إلى بناء رؤية حضارية متكاملة، يجعل فيها صبحي فحماوي التاريخ مرآةً للحاضر، ويحوّل الرواية إلى مساحة لمناقشة أسئلة الثقافة والسلطة والهوية، بعيدًا عن القراءة التاريخية التقليدية.جريدة الدستور الأردنية

وتأتي صورة المجتمع في الرواية امتدادًا لهذا المشروع؛ إذ لا يكتفي السرد برصد حياة القصور أو صراعات الملوك، وإنما يقدم صورة واسعة للحياة الاجتماعية والثقافية في مصر القديمة، ضمن محاولة واضحة لإعادة كتابة التاريخ من منظور مختلف.جريدة الدستور الأردنية

فرغم انغماس الملك بطليموس في اللهو، فإن الرواية تصوره مدركًا لقيمة العلم والثقافة في بناء الدولة، ولأهمية المعرفة في صناعة القوة الحضارية. ولذلك ينسب إليه تأسيس مكتبة الإسكندرية، ويجعلها إحدى ركائز المشروع الحضاري الذي تنهض عليه المملكة، في مقابل إدراك العدو، هو الآخر، خطورة المعرفة؛ فيعمد لاحقًا إلى إحراق المكتبة، بوصفها رمزًا للوعي، لا مجرد مبنى يضم الكتب.جريدة الدستور الأردنية

وفي هذا السياق، تبدو مصر فضاءً حضاريًا متقدمًا، تتجاور فيه الحضارات واللغات والأديان، وتزدهر فيه التجارة والصناعة والفنون. ويشير السرد إلى حضور اللغات المصرية والكنعانية والآرامية واليونانية والفارسية، وإلى انفتاح ديني وثقافي يعكس صورة مجتمع متعدد، استطاع أن يخلق توازنًا بين الأصالة والانفتاح.جريدة الدستور الأردنية

كما تتجلى مظاهر التقدم في تطور الصناعات، كصناعة الزجاج والرخام والبردي، وفي تنظيم العمل، وظهور جمعيات تدافع عن حقوق العمال، وهي جميعها إشارات يسوقها الروائي لإبراز الوجه الحضاري الذي يرى أن التاريخ الغربي تعمد تهميشه أو تجاهله.جريدة الدستور الأردنية

وتتسع هذه الصورة الحضارية لتشمل وضع المرأة؛ إذ يبرز السرد مساحة الحرية التي تمتعت بها في المجتمع المصري القديم، مقارنة بما كانت عليه في الحضارة اليونانية. فالمرأة، في الرواية، تعمل، وتتملك، وتمارس التجارة، وتتولى المناصب العامة، وتشارك في الحياة السياسية، وهو ما ينسجم مع الرؤية العامة التي تسعى إلى إبراز تفوق الحضارة المصرية ـ الكنعانية في مجال الحقوق الاجتماعية.جريدة الدستور الأردنية

وفي هذا الإطار، تبدو كيلوبترا امتدادًا طبيعيًا لهذه البيئة؛ فهي ليست استثناءً فرديًا، وإنما ثمرة مجتمع آمن بقيمة المعرفة، وأتاح للمرأة أن تؤدي دورها في المجالين العام والسياسي.جريدة الدستور الأردنية

ويواصل السرد رسم هذه الصورة، فيؤكد أن بطليموس كان يشجع العلوم والفنون والشعر، وأن المرأة أصبحت شاعرة، وعازفة، وطبيبة، وفيلسوفة، وأن المجتمع عرف قدرًا من حرية الاعتقاد واللغة، ما دام ذلك لا يهدد استقرار الدولة. ويورد النص قوله:جريدة الدستور الأردنية

«إن لنا الحق في التحدث والكتابة باللغة التي نفهمها، وباختيار الديانة التي نحبها، ما دمنا لا ننشط ضد الإله آمون».جريدة الدستور الأردنية

وتكشف هذه الصورة، في الوقت نفسه، عن وعي السلطة السياسية بأهمية المؤسسة الدينية، ودورها في التأثير في العامة؛ لذلك يحرص بطليموس، ثم كيلوبترا من بعده، على توثيق العلاقة بالكهنة ورعاية المعابد، في إدراك واضح للتداخل بين السلطة السياسية والسلطة الدينية.جريدة الدستور الأردنية

ولا تغفل الرواية الجانب الاقتصادي؛ إذ تقدم كيلوبترا بوصفها حاكمة تسعى إلى تخفيف معاناة الناس، وتقليص الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وتنشيط الحركة التجارية، بما يعكس صورة الملكة الحكيمة التي تنظر إلى الحكم باعتباره مسؤولية اجتماعية، لا مجرد سلطة سياسية.جريدة الدستور الأردنية

غير أن هذا التوجه الحضاري لا يخلو من نزعة تقريرية؛ إذ يبدو صوت الكاتب حاضرًا في كثير من المواضع، متجاوزًا أحيانًا حدود الشخصية السردية، ليقدم تفسيرًا مباشرًا للأحداث، أو ليعلن موقفه الفكري من التاريخ والحضارة، وهو ما يجعل الرواية أقرب، في بعض صفحاتها، إلى الرواية الفكرية التي تتقدم فيها الرؤية على الحدث.جريدة الدستور الأردنية

ومن التقنيات التي تعزز هذا البعد الحضاري توظيف الثقافة الشعبية والتصوف؛ فالروائي يستحضر الأمثال، والحكايات، والإشارات التراثية، والأغاني، واللهجة المصرية العامية، ليمنح النص قربًا من الذاكرة الجمعية، ويجعل الشخصيات أكثر التصاقًا ببيئتها الاجتماعية.جريدة الدستور الأردنية

كما يوظف البعد الصوفي عبر لغة تأملية وإشارات رمزية تتجاوز المعنى المباشر؛ فيتحول الحب، والجسد، والبحث عن الهوية، إلى رحلة وجودية تسعى إلى اكتشاف الحقيقة الداخلية للإنسان. ومن خلال هذا التداخل بين الشعبي والصوفي، ينجح النص في الجمع بين الواقعي والروحي، ليصبح فضاءً للتأمل في أسئلة الحرية والوجود والانتماء الحضاري، لا مجرد إعادة سرد لوقائع التاريخ.جريدة الدستور الأردنية

ولا تتوقف رواية «كيلوبترا الكنعانية» عند مساءلة صورة المرأة، بل تتجاوز ذلك إلى تفكيك البنية الحضارية العربية من خلال شخصية المثقف المأزوم، الذي يبدو واعيًا بحجم الخراب، لكنه عاجز عن تغييره. فصبحي فحماوي لا يستدعي التاريخ بوصفه أرشيفًا للماضي، وإنما يحوله إلى أداة لقراءة الحاضر العربي؛ ولذلك تتقاطع الأزمنة في الرواية حتى يبدو التاريخ وكأنه يعيد إنتاج نفسه بأقنعة مختلفة.جريدة الدستور الأردنية

وتقوم الرواية على فكرة جوهرية مؤداها أن الإنسان العربي يعيش دورة متكررة من الانكسار الحضاري، وأن ما تغير هو الأسماء والوقائع السطحية فقط، بينما بقيت بنية القهر والاستبداد على حالها. ومن هنا يصبح الحاضر امتدادًا مأساويًا للماضي، وتتحول الشخصيات إلى ظلال تاريخية تحمل إرث الهزيمة والتشظي.جريدة الدستور الأردنية

وتجسد شخصية المثقف هذا المأزق بوضوح؛ فهي تمتلك وعيًا حادًا بحجم السقوط، لكنها لا تملك القدرة على الفعل. إنها ترى الحقيقة، لكنها تقف عاجزة أمام تغييرها، فتعيش اغترابًا وجوديًا خانقًا. ويتجلى ذلك، بدرجات متفاوتة، في شخصية كيلوبترا، وفي الراوي، وفي عدد من الشخصيات التي تتخذ من المعرفة موقفًا أخلاقيًا في مواجهة السلطة.جريدة الدستور الأردنية

ويبرز هذا المأزق أيضًا في العلاقة المعقدة بين المثقف والسلطة؛ فالرواية تكشف أن السلطة، عبر التاريخ، لم تكن تخشى الجهل بقدر ما كانت تخشى الوعي. ولذلك ظل المثقف مطاردًا أو مهمشًا أو محاصرًا داخل دائرة العجز؛ فالمعرفة، في هذا العالم، لا تمنح الخلاص بقدر ما تكشف حجم المأساة.جريدة الدستور الأردنية

ومن الناحية الفنية، تعتمد الرواية على تقنية التداخل الزمني، التي تلغي الحدود الفاصلة بين الماضي والحاضر. فالأحداث لا تسير وفق خط تاريخي مستقيم، وإنما تتشابك داخل بنية سردية دائرية، يشعر معها القارئ بأن الشخصيات المعاصرة تعيش المصير نفسه الذي عاشته الشخصيات القديمة، وأن الهزائم السياسية والثقافية ليست طارئة، بل متجذرة في بنية الوعي العربي.جريدة الدستور الأردنية

كما يوظف فحماوي الأنسنة التاريخية بطريقة لافتة؛ فهو لا يقدم الشخصيات التاريخية بوصفها رموزًا جامدة أو نماذج بطولية مكتملة، بل يعيدها إلى بعدها الإنساني بكل تناقضاته وضعفه ورغباته. وهنا تكمن إحدى أهم نقاط قوة الرواية؛ إذ تتحول الشخصيات التاريخية إلى كائنات قلقة، تخطئ، وتتردد، وتهزم، تمامًا كما يفعل إنسان الحاضر. وبهذا يرفض الكاتب النظرة التمجيدية للتاريخ، ويستبدل بها رؤية نقدية ترى أن التاريخ سلسلة من الصراعات البشرية، لا سجلًا للبطولات وحدها.جريدة الدستور الأردنية

اقرأ أيضا: إضاءات حول كتاب «كاندي كراش» للدكتورة ريما ملحم

وفي هذا الإطار، تتجلى هيمنة وجهة النظر الأيديولوجية للكاتب، التي تنطلق من هاجس استعادة التاريخ الكنعاني، وإعادة قراءة الحاضر العربي في ضوء صراعات الهوية والسلطة. وينعكس هذا التوجه في البناء الفني للرواية؛ إذ لا يبدو النص محايدًا تمامًا، بل أقرب إلى خطاب روائي يحمل رؤية تفسيرية للعالم أكثر من كونه عرضًا موضوعيًا للأحداث.جريدة الدستور الأردنية

فالكاتب يوظف الشخصيات والوقائع التاريخية أدواتٍ لإبراز موقفه من قضايا القهر، والهيمنة، وتشويه الهوية، الأمر الذي يجعل السرد مشبعًا بدلالات فكرية تتجاوز الحكاية إلى الرسالة. ومع ذلك، فإن هذا الانحياز الأيديولوجي لا ينتقص من القيمة الفنية للرواية، بل يمنحها كثافة دلالية ورؤية نقدية واضحة، حتى وإن حدّ، في بعض المواضع، من حيادية السرد.جريدة الدستور الأردنية

ومن الفنيات البارزة كذلك اعتماد الرواية على الرمز والأسطورة؛ فكيلوبترا ليست شخصية فردية بقدر ما هي رمز حضاري وثقافي، والكنعانية ليست مجرد انتماء تاريخي، وإنما دلالة على الجذور الأولى للهوية العربية في مواجهة محاولات التزييف والاستلاب. ويوظف الكاتب هذا البعد الرمزي ليؤكد أن الصراع المعاصر ليس منفصلًا عن الماضي، بل هو امتداد لصراع طويل على الأرض والهوية والمعنى.جريدة الدستور الأردنية

أما اللغة الروائية، فتتسم بالكثافة الفكرية والتوتر التعبيري؛ إذ تتداخل فيها الجمل التأملية بالنبرة الفلسفية، وبالسخرية، وبالإيحاء الإيروتيكي أحيانًا. وهذه اللغة ليست ترفًا أسلوبيًا، بل أداة لكشف تشظي الإنسان العربي؛ ولذلك يبدو المثقف عند فحماوي شاهدًا على الانهيار أكثر منه صانعًا للتغيير، يحمل عبء الوعي في مجتمع يضيق بالأسئلة ويفضل الطاعة والاستسلام.جريدة الدستور الأردنية

ويأتي المشهد الختامي محملًا بدراما مؤثرة؛ فبعد هزيمة يوليوس قيصر وكيلوبترا، تقدم الملكة على ارتشاف السم، محافظة على كرامتها وكرامة حضارتها، رافضة أن تكون غنيمة للرومان. ثم يلحق بها قيصر، في مشهد يضفي على النهاية بعدًا تراجيديًا، تتداخل فيه العاطفة بالتاريخ، والرمز بالأسطورة.جريدة الدستور الأردنية

وهكذا تخلق الرواية قصة حب تنتمي إلى التاريخ، لكنها تحمل دلالات حضارية تتجاوز العلاقة الشخصية بين رجل وامرأة، لتغدو مواجهة بين حضارتين: حضارة معتزة بهويتها، وأخرى تسعى إلى الهيمنة. ومن خلال هذه الثنائية، يطرح فحماوي رؤيته القائلة إن العلاقة بين المحتل والمحتلَّ لا يمكن أن تؤسس مستقبلًا متوازنًا، مهما اكتست بلبوس الحب أو السياسة.جريدة الدستور الأردنية

وفي ضوء ذلك، تبدو «كيلوبترا الكنعانية» رواية تعيد مساءلة التاريخ، وتكشف ما تراه مسكوتًا عنه، بوصفه صراعًا مستمرًا بين الإنسان والسلطة، وبين الهوية ومحاولات الطمس. لقد استطاع صبحي فحماوي أن يجعل من الماضي مرآة للحاضر، ومن المرأة والتاريخ والمثقف أدوات لكشف المأزق الحضاري العربي؛ فالهزائم، في رؤيته، لا تتكرر لأن التاريخ يعيد نفسه، بل لأن البنية الذهنية المنتجة للهزيمة ما تزال قائمة.جريدة الدستور الأردنية

وتنتهي الرواية بصورة رمزية ذات أفق مفتوح؛ فموت كيلوبترا لا يعني موت الحضارة، بل يؤكد أن الحضارات العظيمة قد تنكسر، لكنها لا تفنى. فكما جمعت إيزيس أشلاء أوزيريس وأعادته إلى الحياة، فإن الحضارة، مهما تعرضت للتدمير، تحتفظ ببذورها الكامنة في الأرض، تنتظر لحظة جديدة لتنهض من جديد. ومن هنا تكتسب الرواية بعدها الإنساني والحضاري، وتغدو دعوة إلى مقاومة النسيان، وإعادة قراءة التاريخ بوصفه أفقًا للمستقبل، لا مجرد سجل للماضي.جريدة الدستور الأردنية

جميع الحقوق محفوظة.

لا يجوز استخدام أي مادة من مواد هذا الموقع أو نسخها أو إعادة نشرها أو نقلها كليا أو جزئيا دون الحصول على إذن خطي من الناشر تحت طائلة المسائلة القانونية.

اقرأ أيضا: قراءة في «محضُ هباءٍ تُجيزه اللغة» للشاعر حاكم عقرباوي

‫0 تعليق