شاهر خضرة![]()
اقرأ أيضا: كيف اكتشف رجاء النقاش شاعر فلسطين الكبير محمود درويش؟
ثمة عناوين تحمل مفتاح نصوصها منذ اللحظة الأولى، وعنوان هذا الديوان واحد منها. «محضُ هباءٍ تُجيزه اللغة» لا يصف كتابًا، وإنما يقدّم خلاصة وجود كاملة.![]()
الهباء هنا ليس صورة عابرة ولا مجازًا جاهزًا، بل المادة الأولى التي يقيم عليها عقرباوي عالمه. كل شيء في هذا الديوان يبدو مهددًا بالزوال: الجسد، والحب، والمدن، والذاكرة، وحتى الأسماء. وما يمنح الأشياء حق البقاء، ولو للحظة، أن تُقال.![]()
منذ الصفحات الأولى شعرت أنني لا أقرأ شاعرًا يكتب من يقين، وإنما من الحافة؛ من ذلك الموضع الذي تكون فيه الأشياء كلها قابلة للسقوط، فيما تؤجل الكلمات سقوطها قليلًا.![]()
يقول:![]()
«أنا خيطُ الضلالة كلما انقطع السؤال»![]()
ومن هذه الجملة وحدها يمكن الدخول إلى الديوان كله.![]()
فالسؤال هنا ليس أداة معرفة، وإنما شرط من شروط البقاء. ما إن ينقطع السؤال حتى ينقطع الخيط ويبدأ السقوط. وهذا ما يفعله حاكم عقرباوي في نصوصه؛ لا يمنح قارئه جوابًا، وإنما يبقيه معلقًا داخل السؤال نفسه.![]()
قصائد هذا الديوان لا تُفتح كأبواب مستقرة، وإنما كشروخ صغيرة في جدار الوجود. كل نص محاولة للإمساك بما يتفلت، والمعنى لا يأتي مكتملًا؛ يأتي كما تأتي الذكرى: ناقصًا، مرتجفًا، مثقلًا بما لا يُقال. في هذا العالم لا يبدو الوجود صلبًا، وكل شيء فيه هش، حتى الذات نفسها. كأن الشاعر يهمس بأننا لا نعيش العالم بقدر ما نعبره، وأن ما يبقى منا ليس سوى أثر ذلك العبور. هنا تبدأ قوة الديوان: فهو لا يكتب الأشياء بوصفها قائمة، وإنما بوصفها سائرة نحو الغياب.![]()
بعد الهباء، كانت اللغة أول ما استوقفني، شيئًا فشيئًا، وأنا أتقدم في الصفحات، بدأت أفهم أن حاكم عقرباوي لا يتعامل مع اللغة بوصفها أداة تشرح العالم أو وسيلة لتزيينه، وإنما بوصفها الملجأ الأخير. كأن العالم يتداعى باستمرار، فيما تحاول الكلمات أن ترفع ما يسقط، أو تمنحه اسمًا أخيرًا قبل اختفائه.![]()
ثمة شعراء يستعملون اللغة كما تُستعمل الأدوات، أما حاكم فيكتبها من داخل جرحها، كأنه يعرف أن الكلمات نفسها متعبة، وأنها، مثلنا، تحمل آثار ما مرّ بها. وربما لهذا جاءت معظم قصائد الديوان قصيرة ومكثفة، كأنها لا تريد أن تقول أكثر مما تحتمل. كأن الشاعر أدرك أن الإطالة شكل من أشكال الهدر، وأن الكلام الكثير يفقد شيئًا من صدقه. هذا ما أحببته في هذه النصوص: اقتصاد واضح، لكنه اقتصاد الخبرة؛ خبرة شاعر يعرف أين يترك الفراغ، وأين يصمت، وأين يترك الجملة معلّقة لتجد طريقها في القارئ.![]()
في هذا النوع من الشعر يصبح البياض جزءًا من المعنى. شعرت أحيانًا بأن ما لا يقوله حاكم أوسع مما يقوله، وتلك علامة نضج لا تخطئها العين. يقول في موضع آخر:![]()
«المعنى ثوبٌ قصير على حرف ساكن وحدها همزة الوصل إغواء الكلام»![]()
هذا مقطع يعرّي اللغة نفسها. المعنى ناقص، أقصر من أن يحتوي ما يريد قوله، والكلام كله قائم على تلك الوصلة الهشة التي تربط ما يتباعد. هكذا بدت لي قصائد الديوان: محاولات وصل متكررة؛ وصل بين الذات وما فقدته، بين الجسد وما انكسر فيه، بين الذاكرة وما تبعثر منها، وبين الإنسان وظله.![]()
وفي موضع آخر يقول:![]()
«منذ زمن بعيد وأنا أرتب الشكوى يا له من موحش سرير الكآبة هذا»![]()
عند هذا المقطع شعرت أن اللغة ليست كتابة فحسب، وإنما ترتيب للألم. ليس من المصادفة أن يقول: «أرتب الشكوى». فالشكوى نفسها تحتاج إلى نظام كي تُحتمل، والقصيدة، في جوهرها، محاولة داخلية لترتيب الفوضى ومنحها شكلًا أقل قسوة.![]()
ولهذا بدت لي لغة حاكم في هذا الديوان لا تفتحنا على العالم بقدر ما تفتحنا على الداخل؛ ذلك الداخل الذي يظل معتمًا حتى تأتي القصيدة وتفتح فيه ثغرة صغيرة من الضوء. ومن تلك الثغرة بدا العالم أكثر قسوة. فاللغة هنا لا تنفتح على تأملات مجردة، وإنما على عالم مثقل بالجروح؛ عالم لم يعد الألم فيه حادثة عابرة، بل مناخًا دائمًا، كأن الإنسان يعيش داخله كما يعيش داخل طقس لا يستطيع الفكاك منه.![]()
هذا ما شعرت به بقوة وأنا أقرأ الديوان.![]()
الحرب هنا ليست موضوعًا يُكتب عنه، وإنما ظلّ ثقيل يمرّ في النصوص حتى حين لا يُذكر باسمه. كأنها تحولت إلى جزء من نسيج الروح، لا من التاريخ وحده. يقول:![]()
«في الحربِ التي وقودُها الناسُ والحجارة يقفُ الدعاء على عتبةِ الربِّ عاجزًا»![]()
هذا مقطع لا يُقرأ مرة واحدة. توقفت عنده طويلًا، لا لأنه يصف الحرب، وإنما لأنه يكشف حدود الإنسان أمامها. حتى الدعاء يقف عاجزًا، وكأن التصدع لم يعد تصدع بيوت ومدن، بل تصدع يقين. وهذه واحدة من أقسى لحظات الشعر: أن يريك اللحظة التي يصبح فيها المقدّس عاجزًا عن إنقاذ المعنى. لهذا بدا لي أن حاكم لا يكتب الحرب بوصفها مشهدًا خارجيًا، وإنما بوصفها انكسارًا داخليًا.![]()
ويقول أيضًا:![]()
«ليس دمارًا كبيرًا؛ إنها الأرض لم تعد على كوكب المعنى»![]()
هنا تبلغ الرؤية ذروتها. فالدمار لم يعد ماديًا، بل أصاب المعنى نفسه. الأرض خرجت من مدارها الرمزي، وصار العالم يبدو كأنه فقد مكانه القديم. وحده هذا التعبير يكفي ليوقظ ما نعرفه نحن الذين مررنا بالحروب: المدن التي فقدت أسماءها، والحياة التي صارت تُعاش على الحافة.![]()
ولم يكن الخراب عامًا فقط، بل كان جسديًا أيضًا. هنا يدخل الجسد بوصفه آخر ما تبقى للإنسان في مواجهة العالم. يقول:![]()
«ليس لديَّ غير يدي، يدي التي أهشُّ بها على ألمي وتنام معي في الليل»![]()
هذا من أجمل ما قرأت في الديوان. اليد هنا ليست عضوًا من الجسد، وإنما رفيق عزلة، ووسيلة احتمال. كأن الإنسان، بعد كل هذا التآكل، لم يبق له سوى جسده، وحتى هذا الجسد لم يعد موضعًا للقوة، بل موضعًا للألم. وهذا ما يجعل شعر حاكم قريبًا مني؛ فهو لا يكتب الجرح من خارجه، وإنما من داخله. كأن القصيدة لا تصف الألم، بل تعيشه. لذلك يبدو هذا الديوان موجعًا، لأنه لا يكتب ما حدث، وإنما ما ظل يحدث فينا بعده.![]()
لكن ما يتصدع في هذا الديوان لا يأتي دائمًا من الخارج. ثمة جهة أخرى أكثر هدوءًا، وأكثر قسوة أيضًا؛ جهة يصنعها الزمن والحب والوحدة، وتلك الخسارات الصغيرة التي تتراكم في الداخل حتى تصبح جزءًا من تكويننا. هنا شعرت أن حاكم يكتب من أقرب نقطة إلى نفسه. تخف ضوضاء العالم، ويعلو صوت الإنسان وهو يواجه ما تبقى منه. هنا لا يعود الحب خلاصًا، وإنما اختبارًا آخر للفقد. في أكثر من نص يمرّ الحب بوصفه أثرًا لا إقامة، وذكرى لا استقرارًا؛ يلمع قليلًا ثم يترك في الروح فراغه الخاص.![]()
وهذا ما يمنح حضوره في الديوان صدقه؛ لأنه يُكتب من جهة النقص، من تلك المسافة التي يدرك فيها الإنسان أن ما أنقذه يومًا قد يكون هو نفسه ما تركه أكثر هشاشة.![]()
ويقول في موضع آخر:![]()
«لم يكن الحب قابلًا للطّي كلما جفّت الحديقة كانت ملأى بالعصافير»![]()
هنا وجدت واحدة من أجمل مفارقات الديوان. فالجفاف لا يقابله الفراغ، وإنما الامتلاء. الحديقة اليابسة لا تخلو من الحياة، بل تزدحم بالعصافير. كأن الحب، مهما انكسر، يترك وراءه أثرًا يقاوم العدم، أو بقايا دفء ترفض أن تنطفئ تمامًا. وهذا ما أحببته في هذه القصائد: أنها لا تستسلم للفناء، وإنما تترك دائمًا فسحة صغيرة للنجاة، حتى في أشد لحظات الخسارة.![]()
اقرأ أيضا: «صقور السلة» يلتقي ماليزيا بكأس «ويليام جونز» اليوم
أكثر ما شدّني في هذا الديوان تلك العلاقة الغامضة بين الشاعر وجسده، أو بينه وبين ما تبقّى له من نفسه. اليد، والألم، والنوم، والوحدة؛ عناصر تعود في النصوص كما لو كانت أفراد عائلة واحدة، وكأن القصائد حديث طويل مع الذات، حديث لا يبحث عن جواب بقدر ما يبحث عن مرافقة؛ عن شيء ينام إلى جوارك كي لا تمضي وحيدًا في هذا العالم. وهذا من أقصى ما يبلغه الشعر حين يكتب الإنسان من موضع هشاشته لا من موضع زينته.![]()
وفي الصفحات الأخيرة يدخل المنفى بصوته الخافت، لا بوصفه جغرافيا، وإنما بوصفه حالة وجودية. يقول:![]()
«أنا المسافر يا دمشق وليس لي منفى»![]()
هذا من أكثر المقاطع التي أصابتني. فالمنفى لم يعد مكانًا، وإنما فقدانًا للمكان نفسه. أن تكون مسافرًا بلا منفى يعني أن الغياب لم يعد يملك عنوانًا، وأن السؤال لم يعد: أين بيتي؟ وإنما: هل بقي شيء يمكن أن يسمى بيتًا؟![]()
هنا شعرت أن هذا الديوان، في عمقه، ليس عن الهباء وحده، وإنما عن محاولة الإنسان أن يحتفظ بشيء من نفسه وسط هذا التآكل كله. الحب، والأمكنة، والذاكرة، والأسماء؛ أشياء نتشبث بها، لا لأننا نملكها، وإنما لأننا نخشى أن نفقد آخر ما يدل علينا.![]()
في هذه النصوص بدا لي حاكم عقرباوي أبعد عن الزينة الشعرية وأقرب إلى الإنسان. وهذا، في ظني، أجمل ما يمكن أن يفعله شاعر: أن يتركك ترى هشاشته، فتتعرف في تلك الهشاشة إلى شيء من نفسك.![]()
وحين وصلت إلى نهاية الديوان، لم أشعر أنني أنهي قراءة كتاب شعر، بل شعرت أنني خرجت من ممر طويل سرت فيه مع رجل يعرف هشاشته جيدًا ولا يخجل منها. هذا ما بقي فيّ من «محضُ هباءٍ تُجيزه اللغة»: ليس القصائد وحدها، وإنما ذلك الأثر الخافت الذي تتركه بعد أن تصمت.![]()
فهذا الديوان يقوم على الصدق أكثر مما يقوم على البلاغة. والصدق هنا ليس صدق الحكاية، وإنما صدق الانكشاف؛ أن يكتب الشاعر من الموضع الذي يتصدع فيه داخله، لا من الموضع الذي يتزيّن فيه. وهذا ما فعله حاكم عقرباوي. عرفته يومًا في دمشق، وقرأت له من قبل، لكنني شعرت هنا أنني ألتقيه من جديد؛ لا بوصفه شاعرًا فحسب، وإنما بوصفه إنسانًا عبر كثيرًا، وخسر كثيرًا، وتعلّم أن الكلمات ليست خلاصًا كاملًا، لكنها آخر ما يبقى.![]()
وربما كان هذا هو جوهر الديوان كله: أن القول لا ينقذنا من التبدد، لكنه يؤجّل سقوطنا قليلًا، ويمنح هذا التبدد شكلًا يمكن احتماله. لهذا بدا لي العنوان دقيقًا إلى حدّ القسوة:![]()
«محضُ هباءٍ تُجيزه اللغة».![]()
كأن كل ما نعيشه، في النهاية، معرّض للتلاشي: الحب، الجسد، المدن، الأصدقاء، الذكريات، الأسماء.![]()
وحاكم عقرباوي، في هذا الديوان، ترك أثره واضحًا؛ أثر شاعر لا يكتب ليشرح العالم، وإنما ليجاوره، وليقول لنا، بهدوء يشبه الحكمة، إن ما نظنه صلبًا في حياتنا ليس أكثر من هباء، وإن الهباء، حين تمسه الكلمات، يغدو أقل وحشة.![]()
وربما لهذا لا ينتهي هذا الديوان عند الصفحة الأخيرة. فما يبقى منه ليس المعاني التي قالها، وإنما ذلك الإحساس الخافت بأن الإنسان، مهما خسر، يظل يبحث عن أثر صغير يثبت أنه عبر من هنا يومًا. ولعل الشعر، في النهاية، ليس أكثر من هذه المحاولة النبيلة: أن يمنح العابرين إقامة قصيرة في اللغة، وأن يؤجّل، ولو قليلًا، ذلك الصمت الكبير الذي ينتظر الأشياء كلها.![]()
جميع الحقوق محفوظة.
لا يجوز استخدام أي مادة من مواد هذا الموقع أو نسخها أو إعادة نشرها أو نقلها كليا أو جزئيا دون الحصول على إذن خطي من الناشر تحت طائلة المسائلة القانونية.
اقرأ أيضا: الجمعة .. عودة الأجواء الصيفية الاعتيادية