استقبل الرئيس الأمريكي مؤخراً في الصين بحفاوة تظهر اللباقة والآداب المعتادة في الثقافة الصينية، لكن الترحيب لم يمنع الجانب الصيني من إيصال رسائل بالغة الأهمية. أولى هذه الرسائل تجلت في تأكيد الصين على مبدأ التكافؤ، حيث كان نائب الرئيس هو من استقبل ترامب عند وصوله، في حين استقبله الرئيس شي جين بينغ في قصر الشعب بنفس المستوى الذي يُعامل به جميع قادة العالم، دلالة على موقف الصين الثابت في المساواة والسيادة، وهو موقف تكاد لا تتبناه دول كبرى غيرها في النظام الدولي الحديث سوى العرش البريطاني. أما الرسالة الثانية فتمثلت في تحذير شي لرئيس الولايات المتحدة من الدخول في فخ الصراع الذي وصفه بالتاريخي، مستشهداً بقصة الحرب البيلوبونيزية بين أثينا وإسبرطة التي انتهت بضرر كبير للطرفين وللعالم بأسره. دعا الرئيس الصيني إلى تبني نموذج التنافس البناء القائم على تحقيق مصالح متبادلة، بدلاً من الصراع الصفري الذي يؤدي إلى خسائر متبادلة.
خلال الربع الأخير من القرن العشرين، كانت أمريكا تهيمن على المشهد العالمي وتلتزم ظاهرياً بالقواعد القانونية للنظام الدولي، رغم بعض التجاوزات السرية. في تلك المرحلة، استفادت الولايات المتحدة من النهضة الاقتصادية التي شهدتها الصين عبر نقل صناعات الثورة الصناعية الثانية إليها، مما ساعد على احتواء طموحات بكين وأمدّ واشنطن بنفوذ واسع من خلال المؤسسات الاقتصادية والسياسية التي تسيطر عليها. الأمر خلق توازنًا مستدامًا في النظام العالمي رغم التغيرات الاقتصادية المتسارعة.
أما في الوقت الراهن، فقد تبدلت المعادلة بشكل جذري، حيث اختفت الفوارق الكبيرة بين القوتين في العديد من المجالات، وأضحت المنافسة على قدم المساواة في بعض القطاعات، خاصّة في التكنولوجيا الفائقة، مما وضع الولايات المتحدة أمام تحدي غير مسبوق في الحفاظ على هيمنتها الفردية. فالرئيس ترامب يرمز إلى انتقال نحو حكم سلطوي يتميز باتخاذ قرارات فردية متسرعة، متجاوزاً سلطات الولايات والكونغرس والمحكمة العليا، ومغلقاً مجال النقاش والحرية داخل مؤسسات المجتمع الحيوية مثل الجامعات ومراكز الأبحاث، وهو ما يهدد استقرار النظام السياسي والاجتماعي الأمريكي. كذلك، تأتي سياساته المعادية للهجرة متناقضة مع تاريخ البلاد التي قامت على هجرة مستمرة، ما يضعف جاذبيتها العالمية ويؤثر على حضورها المعتاد.
وفي المقابل، تظهر الصين بحكمة واضحة في تعاملها مع التراجع الاستراتيجي للولايات المتحدة. دون أن تنخرط في مواجهات مباشرة، تسد الصين الفجوات التي تنتج عن انسحاب أمريكا من الساحة الدولية، وبطرق أكثر فعالية، من خلال الاستثمار في البنى التحتية الحيوية مثل الموانئ والمصانع، إضافة إلى المشاريع الرياضية والترفيهية عبر نظام حق الانتفاع، ما يوفر دعمًا قوياً للدول الناميّة دون تحميلها ديوناً مدمرة، ويعزز نفوذ بكين على الصعيد العالمي بشكل ملموس ومستدام.
تكمن المفارقة في أن محاولات واشنطن لإعاقة تقدم الصين الاقتصادي والتقني قد تعجل بانهيارها السياسي والاستراتيجي. إذ تؤدي سياسات ترامب العدائية والانفرادية إلى تراجع التحالفات التقليدية لصالح تقارب الصين مع قوى ناشئة مثل الهند والبرازيل، اللتين كانتا حليفتين للولايات المتحدة ولكن توجهتا نحو الصين بصورة واضحة. كما أثبتت محاولة احتواء روسيا بعزله عن الصين وعرض إنهاء الحرب في أوكرانيا أنها غير مجدية، فما يجمع روسيا والصين من مصالح استراتيجية وجغرافية وأيديولوجية يتجاوز بكثير ما يمكن أن يربط موسكو بواشنطن، خصوصاً في ظل الشراكات الاقتصادية والتطلعات الأوراسية المشتركة والتاريخ الإيديولوجي المناهض للهيمنة الغربية.
