تأملات في مفهوم التضحية مع عبداللطيف الزبيدي

27 مايو 2026 00:02 صباحًا
|

آخر تحديث:
27 مايو 00:02 2026

هل لا زال عنوان المقال يعكس تشويشاً في مفهوم التضحية، وكأن المتناقضات قد تداخلت بشكل مبهم؟ في الماضي، كانت أعياد الأضحى تحمل مدلولات الثبات والتماسك، أما اليوم فقد أصبح الوطن يبدو كأنه في حالة ضعف وانحسار. ليس الأمر مجرد انتقاد ذاتي، بل حقيقة مؤلمة حين نسمع عن تهديدات من سفير دولة تجاه مجموعة من الدول العربية، التي تتمتع بسيادتها وتاريخها العريق، وكأنه ينذرها بالزوال من الخريطة. وفي المقابل، هل يمكن أن يكون الصمت العربي عن هذه التهديدات أشد أشكال التضحية، خصوصاً مع وجود أكثر من مئتي مليون شخص في هذه الأمّة؟

قد يرد المعترضون بأن هذا الحديث لا يناسب أجواء العيد، معتبرين أن تغير معاني الكلمات هو أمر طبيعي. فالتضحية كما شرّعها سيدنا إبراهيم عليه السلام كانت مرتبطة بذبح كبير، يرمز إليه الكبش ذي القرنين الحلزونيين القويين، كما حدده الفقهاء عبر العصور.

لكن المأساة في تطور المعاني أن الأمة العربية اليوم تبدو وكأنها تضحي بأوطانها، دون معرفة سبب واضح أو هدف محدد. فقد أصبحت التضحية قائمة في حد ذاتها، بدون بوصلة تُرشدها، سواء في مجالات التعليم، البحث العلمي، الاقتصاد، البنية التحتية، إعلاء مكانة اللغة، أو الحفاظ على كرامة الشعوب. هذه التضحيّات التي لا هدف لها باتت ظاهرة متكررة.

يُعذر من يعتبر أن هذا الوصف لا يطال غالبية الدول العربية، لكن الواقع مختلف لا محالة.

الأمر الأكثر إيلاماً هو أن الأمّة العربية باتت كأنها تنسى جوهرها، وتغفل عن قيمها الأساسية التي نشأت بفضل الدين الإسلامي الحنيف. لا يجوز لأبنائها التضحية بمبادئ لا تحتمل هذا النوع من التنازل أو التبديد. الوحدة هي شعار الحياة، والتفرّق يعني فقدان قيمتها، والسؤال هنا: بأيّ سبيل يمكن أن نضحّي بوحدتنا القومية؟ وهل من المعقول التخلي عن العمل العربي المشترك لمجرد إغراءات زائفة تهدم مجده؟

في الختام، يبقى الأمل بأن يدرك العرب أن أصل ما يشغلهم ليس مشوهاً، وأن ما يبدو معوجاً ما هو إلا خدعة بصرية، تشبه الانعكاسات الخادعة في المرايا، وأن الطريق نحو الوحدة والتقدم ما زال ممكنًا.