تحولات هامة في الولايات المتحدة تعقب زاوية مختلفة | أحمد مصطفى

27 مايو 2026 00:12 صباحًا | آخر تحديث: 27 مايو 00:12 2026

تُظهر نتائج الانتخابات التمهيدية لاختيار مرشحي الأحزاب الأمريكية، استعدادات التجديد النصفي لمجلس الكونغرس المقررة في نوفمبر المقبل، استمرار هيمنة الرئيس دونالد ترامب على الحزب الجمهوري. فالمرشحون الذين يحظون بدعمه يتصدرون غالبية السباقات داخل الحزب.

رغم أن هذا لا يعني تأييداً شاملاً لكل الجمهوريين لسياسات ترامب، إلا أن القاعدة الشعبية المؤيدة له لا تزال متماسكة، وهو الأمر الذي تبرز فيه التباينات مع استطلاعات الرأي التي تشير إلى تراجع شعبيته تدريجياً.

يتوقع البعض أن يخسر الجمهوريون الأغلبية في مجلس النواب ويعود الحزب الديمقراطي للسيطرة، وهو نمط شائع في انتخابات التجديد النصفي حيث يميل الناخبون غالباً إلى معاقبة الحزب الحاكم. كذلك، يبدو أن احتمالية فوز مرشح جمهوري بالرئاسة في الانتخابات القادمة بعد عامين ليست مضمونة، رغم ضعف فرص الديمقراطيين.

غير أن هذا المشهد لا يخفي حقيقة جوهرية تتمثل في التحولات العميقة التي تشهدها السياسة الأمريكية، والتي تجاوزت حدود الحزبين ومعايير الحكم التقليدية. هذه التغيرات بدأت مع ولاية ترامب الأولى في 2016 واستمرت طوال فترة حكم الرئيس الديمقراطي جو بايدن.

في ولايته الرئاسية الثانية، يزداد هذا التحول جذرياً، حيث لم تقتصر التغيرات على تعديلات في القوانين والسياسات التي تحد من دور «المؤسسة التقليدية»، بل أفضت إلى شِبه انقلاب يمتد تأثيره إلى المجتمع بأكمله، شاملاً النخبة ومجتمع الأعمال وكل طبقات الشعب الأمريكي.

تأثر مؤسسات الحكم هو الأبرز، إذ لم تعد “المؤسسة العميقة” ذات النفوذ التقليدي السابق. فترامب يعتمد على الأوامر التنفيذية التي تتجاوز الطرق المعتادة التي تتطلب موافقة السلطة التشريعية. وعلى الصعيد القضائي، بدأ من العام الماضي حملة ضد ما يوصف بـ«تسييس القضاء»، في واقع الأمر تقضي على دور القضاء في عرقلة سياسات السلطة التنفيذية حتى لو كانت مثيرة للجدل دستورياً.

أما الإدارة التنفيذية، التي يرأسها الرئيس، فتشهد زلزالاً في بنيتها، حيث تم اختيار فريقه وفق ولاءات شخصية بدل الالتزام بالبيروقراطية التقليدية. كما تشهد أسواق الأعمال تحولات كبيرة بانتصار قطاعات التكنولوجيا المتقدمة على المجمع الصناعي – العسكري الكلاسيكي، مع تأييد واضح من قيادات هذه الشركات للسياسات الرئاسية.

المشهد الإعلامي، الذي كان يعتبر السلطة الرابعة، لم يكن بمنأى عن هذه التغيرات. سيطرة ضخمة لمواقع التواصل الاجتماعي على الإعلام التقليدي، مع تركيز ملكية وسائل الإعلام الكبرى في أيدي نخبة مالكة تتبع بشكل كبير توجهات الرئيس.

على صعيد أوسع، يتراجع تأثير مراكز البحث ومؤسسات الفكر التي كانت داعمة لصناع القرار في السياسة والاقتصاد. التراجع الذي بدأ منذ أواخر القرن الماضي يصل الآن إلى حد شبه انهيار، حيث تغيب استشارات هذه المؤسسات عن دائرة صنع القرار الرئاسي الضيقة.

بغض النظر عن نتائج انتخابات التجديد النصفي المقبلة، إضافة إلى الانتخابات الرئاسية في العامين القادمين، يصعب تصور عودة المشهد الأمريكي إلى ما كان عليه سابقاً. ذلك التغير الجذري يبدو مساراً لا رجعة فيه، مما يستلزم من العالم الاستعداد والتكيف مع واقع أمريكي مختلف كلياً.