تأملات في مستقبل الإيقاع الشعري – عبداللطيف الزبيدي

13 مايو 2026 00:02 صباحًا
|

آخر تحديث:
13 مايو 00:02 2026

تساءلت للقلم: هل لازلت مُصرًا على التطرق لهذا الموضوع رغم وعيك بعدم استحسانه لدى الشعراء؟ أجابني: ربما يدفعهم هذا للنظر مجددًا في سوء فهم الموسيقى الشعرية. لطالما عانى الشعر العربي عبر عصور طويلة، بدءًا من الجاهلية، من هجوم كثيف للأفكار مع ندرة في الخيال الشعري. مع منتصف القرن العشرين، تشتت مفهوم الإيقاع تدريجيًا إلى حدّ إنهاء استعمال الأوزان التفعيلية، متذرعين أن الإيقاع أصبح ضميرًا خفيًا أسماه التيار الفني “الإيقاع الداخلي”. هؤلاء الذين تجاهلوا تحذيرنا من إثارة الموسيقيين، ولم يراعوا أن الإيقاع الحقيقي هو ببساطة تقسيم الزمن إلى وحدات، غير ذلك لا يُعد سوى وهم.

لا يمكن تصنيف مشكلة موسيقى الشعر على أنها خلافات نقدية أو مدارس أدبية تتصارع على نظرياتها، بل هي مسألة فلسفية جوهرية من نوع «الوجود أو عدم الوجود»، ليست محلًا لحلول تقليدية مثلما يُعتقد. فهي شلالات متدفقة ضخمة تبددت معظم قوتها حتى صارت قطرات معدودة، ولا يمكن للمبدعين أن يجدوا في ذلك ملاذًا. لقد قدم الشاعر الجاهلي 16 وزنًا شعريًا للأجيال، وقُصرت إلى ستة في منتصف القرن العشرين، حتى تم تهميشها بالكامل فلا يبقى للإيقاع العربي أثر.

قد تبدو هذه الرؤية ثقيلة على القارئ، لكن الواقع يؤكد أن الإيقاع في الشعر وصل إلى حالة مأساوية تعكس قلة المعرفة الموسيقية بين الشعراء أنفسهم. أمثلة لا تحصى على ذلك، عندما نجد شعراء التفعيلة غير قادرين على إبداع موسيقى حقيقية باستخدام البحور ذات التفعيلات المركبة مثل المنسرح والطويل والخفيف والمضارع والمجتث، حيث يتطلب الأمر مهارات عالية في الإيقاع الموسيقي.

مع ذلك، لا مجال لليأس، فهناك آفاق واسعة يمكن استكشافها. القلم كان دائماً يؤكد على أهمية دعم الفنون والآداب بالبحث العلمي والتحقيق، وهو اقتراح يزداد إلحاحًا مع تطور الذكاء الاصطناعي. يمكن للشعراء استغلال الخوارزميات لإيجاد إمكانات إيقاعية جديدة ومتنوعة في الشعر العربي، بعيدًا عن الحدود التقليدية التي فرضها النظام العروضي، التي لا ينبغي أن تشمل القيود النهائية للإيقاعات الشعرية.

يجب التنبيه إلى أن النتيجة الحالية هي انغلاق واضح على الابتكار، ويُخيب الأمل أن يظن بعض شعرائنا أن باب الاجتهاد في الإيقاع مغلقٌ بلا رجعة.