تتجدد زياراتي إلى مهرجان الفيلم الأوروبي في أبوظبي كل عام، ليس كمجرد فعالية تتكرر، بل كمرآة تعكس التحولات الهادئة التي تمر بها المدن. قبل ثلاث دورات، كان المهرجان بمثابة نافذة بعيدة تطل على أوروبا، مدنها الباردة، شوارعها الضيقة، وأبطال أفلامها الذين يتحركون بوتيرة تأملية تحاكي الواقع، كنا نشاهد باندهاش جمال سرد القارة التي تحكي دون صخب، لكن هذا العام كان هناك تغيير واضح.
اتسع المهرجان وتجاوز حدوده في أبوظبي لتشمل رأس الخيمة، وبتوسع برنامج الأفلام الذي احتضن أيضاً أفلاماً قصيرة إماراتية، مما مزج الحكايات المحلية مع مثيلاتها الأوروبية دون أن يخلق شعوراً بالغرباء أو المضيفين. شاشة واحدة فقط جمعت الجميع، ضوء واحد سرد القصة، حيث تحظى كل قصة بحق متساوٍ في أن تُسمع.
هذا الإنجاز جاء بفضل جهود بعثة الاتحاد الأوروبي في الإمارات التي عملت بصمت على إثراء هذا الجسر الثقافي المتين عبر النسخ المتعددة من المهرجان. وحتى الرابع والعشرين من مايو، ستتعدد عروض الأفلام بين بولندا واليونان وإيرلندا والتشيك ومالطا وليتوانيا ورومانيا ولوكسمبورغ وهولندا والنمسا وألمانيا وأوكرانيا وإسبانيا وفرنسا وسلوفينيا وإيطاليا، بالإضافة إلى الإمارات التي تشارك كطرف طبيعي في هذا الحوار الثقافي البصري الممتد بين الشاشات والقصص.
افتتح المهرجان بفيلم “غلوريا” الإيطالي الذي يحكي قصة فتاة تبحث عن صوتها وسط تقاليد مدرسة داخلية في البندقية. وفي اليوم التالي، تجلت وجوه إماراتية شابة تحمل كاميراتها وتوثق مشاهد من البحر والجبال والبيوت القديمة، تلتقط بدورها حكاياتها الخاصة. رغم اختلاف اللغات والبيئات، تتشابك الأسئلة والهموم، مما يرسخ التشابه بين العوالم.
يتجاوز المهرجان مجرد عرض أفلام من أجل رؤية أوروبا، بل يسعى لتقديم الحكايات جنباً إلى جنب بغير أسئلة عن الأصل والهوية. وهذه اللحظة تعكس نضج المدن ثقافياً حين تتوقف عن النظر إلى الثقافات كزائرين، بل كجزء من النسيج الاجتماعي.
في لحظة مشاهدة فيلم إماراتي يرصع العروض الأوروبية، يخلق ذلك شعوراً بصمت الحركة الصغيرة التي تغير المنظور، حيث لم نعد متفرجين فقط، بل أصبحنا جزءاً من المشهد. لهذا السبب، تكتسب هذه المهرجانات أهمية تفوق مجرد رؤية العالم، إذ تمنح المدن فرصة لتعيد اكتشاف ذاتها عبر عيون الآخر أيضاً.
