هل يُعتبر الحديث عن وجود طبقية في اللغة العربية بمثابة محظور؟ وما مدى وجاهة هذا القلق؟ بعد قرون من التعقيدات التي تراكمت على اللغة، وإخفاق العلماء ومناهج التعليم في تبسيطها، أصبح من الضروري أن يتحمل المختصون المسؤولية، ويعترفوا بأوجه القصور، ويعملوا على تعديل هذا الواقع. الغياب عن المبادرة جعل البعض يظن أن المشكلة تكمن في ضعف العرب أنفسهم في إتقان لغتهم، دون النظر إلى أسباب هذا التراجع، خصوصاً في ظل سرعة تعلمهم للغات أخرى مثل الإنجليزية، مع افتقارهم إلى مهارات إنتاج النصوص العربية بشكل متقن ضمن قواعد النحو والتحرير.
قد يبدو اختيار كلمة مثل “طبقية” ذات دلالات سياسية أو اجتماعية مثيراً للجدل، إذ قد يُعتقد أنها دعوة لفصل لغوي أو ثقافي، لكن المقصود هنا مختلف تماماً. اللغة العربية التي وُجدت بين أيدينا لا تمثل اللغة الأصلية البسيطة، بل هي لغة معقدة ومصنّعة، نتيجة تراكم قواعد النحو والصرف والبلاغة على مدى العصور، والتي لم تُبنَ بالضرورة على اللغة العربية الخام. بذلك، ينبغي أن تُستمد القواعد الأساسية من اللغة العربية الأصلية غير المُعقدة، أي من المادة اللغوية الخام، بدل الاعتماد الكامل على تراكمات تقليدية لم تعد تخدم التواصل الفعلي.
عالج الكاتب هذه الفكرة من زوايا متعددة، هادفاً إلى جذب انتباه من لا يرغبون في الاستماع. النحاة قد أخطأوا عندما استندوا في قواعدهم بشكل أساسي على الشعر، وهو نص ذو طبيعة بلاغية خاصة تختلف عن لغة الحياة اليومية. للتوضيح: هل يُعد “رسالة الغفران” أو غيرها من الأعمال الأدبية مرجعاً صادقاً لوضع قواعد اللغة؟ الأدب والفن اللغوي مختلفان تماماً عن استنباط قواعد اللغة التي تستخدم في التواصل اليومي. كما أنه من غير المعقول تصور أن العرب في الجاهلية كانوا يتحدثون وفق قواعد القراءة القرآنية التي نستخدمها حالياً، كقلقلة بعض الحروف أو الوقوف على القاف بالطريقة نفسها.
لذلك، تحتوي القواعد التي تدرس اليوم على الكثير من الأمور البلاغية والأساليب الإنشائية التي لم تعد ملائمة للاستخدام الحديث أو المستقبلي. في كل اللغات هناك كلمات وأسلوب قادم وأسلوب مهمل، فهل يتصور أحد أن جريدة تُخاطب جمهورها بلغات قديمة أو كلمات مهجورة مثل “العقنقل” و”العملّس” و”الحيزبون” و”الدردبيس”؟
الخلاصة التي يجب أن نصل إليها هي أن تبسيط قواعد اللغة العربية لا يعني المساس بسلامتها أو هويتها، بل يمنحها مرونة ونضارة تساعدها على البقاء حية وسهلة التعلم، مما يعزز استخدامها ويجنب الأجيال القادمة من المأزق الذي تواجهه حالياً.
