الدستور الأمريكي: تناقل التاريخ وتطور المبادئ بعد ربع قرن من الاستقلال

20 مايو 2026 00:33 صباحًا
|

آخر تحديث:
20 مايو 00:34 2026

مع اقتراب الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة عن الحكم البريطاني، ترسخ مقدمة الدستور الأمريكي روح الحلم الوطني حين كتب: «نحن شعب الولايات المتحدة، نسعى لتأسيس اتحاد أكثر كمالاً، لتحقيق العدالة، وضمان السكينة الداخلية، وتوفير الحماية المشتركة، بالإضافة إلى تعزيز الرفاه العام وتأمين حرياتنا وحريات أجيال المستقبل. ولهذا نضع دستورًا للولايات المتحدة الأمريكية». تعتبر هذه الكلمات حجر الأساس لانطلاق مشروع بناء دولة مستقلة، متقدمة، عادلة وآمنة.

يرى المحامي المحافظ ديفيد فرنش في مقال نشرته صحيفة نيويورك تايمز أن هناك جملة واحدة في الدستور تمثل تحديًا كبيرًا لأمريكا. في نوفمبر 1787، أصدر كاتب يُعرف باسم (كاتو) تحذيرًا مبكرًا، معبرًا عن مخاوف من أن الدستور قد يتحول إلى أداة للاستبداد، وذلك بسبب منح الرئيس سلطات تنفيذية واسعة بشكل غير مقيد. يوضح فرنش أن المادة الثانية من الدستور تنص ببساطة على أن «تُناط السلطة التنفيذية برئيس الولايات المتحدة»، دون تحديد واضح لهذه الصلاحيات وحدودها. ويستشهد بأستاذ القانون في هارفارد جاك غولد سميث، الذي يرى أن هذه الصياغة تمنح الرئيس حق اختيار القوانين التي ينفذها، مما يجعل الكونغرس مجرد جهة استشارية. يقترح فرنش تعديل العبارة الدستورية لتصبح: «رئيس الولايات المتحدة ينفذ القوانين التي يقرها الكونغرس» لتقييد صلاحيات الرئيس ومنع التوسع المطلق في سلطاته.

من جانبه، يؤكد الدكتور سانفورد ليفنسون، أستاذ القانون في جامعة تكساس، أن جذور الأزمات الأمريكية اليوم تعود إلى دستوره الذي يفتقر إلى الطابع الديمقراطي والفعالية، حيث أفضى إلى تفاقم الاستقطاب السياسي ورفع السلطة التنفيذية إلى مستوى شبه ديكتاتوري. وحذر من أن التأخر في إجراء الإصلاحات الدستورية قد يؤدي إلى انهيار النظام. كذلك ذكر جاك إم بالكن، أستاذ القانون في نفس الجامعة، وجود أزمة دستورية عميقة مرتبطة بتدهور الأعراف الديمقراطية ونمو الأوضاع الأوليغارشية التي يهيمن عليها الأثرياء. وفي مايو 2025، ناقش أساتذة قانون في جامعة هارفارد بشدة سياسات رئيس الولايات المتحدة في ظل ضعف القيود المؤسسية، ودعوا إلى ضرورة الحد من صلاحياته عبر رسالة كتبها عدد قليل من الديمقراطيين في الكونغرس.

على صعيد آخر، ناقش أستاذا العلوم السياسية في هارفارد، ستيفن ليفيتسكي ودانيال زيبلات، في كتابهما المشترك “استبداد الأقلية” الحاجة الملحة لتحديث دستور الولايات المتحدة الذي يرجع إلى القرن الثامن عشر. وأشارا إلى أن المؤسسات القديمة كالهيئة الانتخابية تحمي الأدوات السياسية التي تمكّن الحزب الجمهوري المتطرف من السيطرة المتزايدة. وبين ليفيتسكي في كتابه “كيف تموت الديمقراطيات” أن الرئيس السابق يمثل تهديدًا جديًا لقيم الديمقراطية الأمريكية، خصوصًا بعد معارضته واتهامه لموظفي وزارة العدل بالتحيز الليبرالي، مما دفع خبراء قانونيين بارزين إلى الاستقالة احتجاجًا.

تستند الديمقراطيات الغربية إلى مبدأ الدولة الدستورية المقيدة، ولهذا تتصاعد الجهود التشريعية والأكاديمية داخل الولايات المتحدة للحد من التوسعات التنفيذية التي تؤدي إلى نزعات عسكرية متكررة وتكاليف باهظة، خاصة في الشرق الأوسط، ما يفاقم الأزمات الأمنية والإقليمية.

وفي السياق الدولي، أشار أستاذ القانون الدولي وأحد خبراء الأمم المتحدة السابقين، ألفريد دي زاياس، إلى رفض الأغلبية العالمية للنهج الاستعماري الغربي الجديد، والدعوة إلى نظام متعدد الأطراف يستند إلى ميثاق الأمم المتحدة. وأضاف أن الولايات المتحدة وأوروبا رفضتا الالتزام بالقرارات الاستشارية لمحكمة العدل الدولية المتعلقة بالجدار العازل، معتبراً الدعم الأمريكي والأوروبي المستمر لإسرائيل في سياق الصراع على غزة انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وأزمة أخلاقية كبرى.