صراع القوى بين الأطراف الكبرى: من أثينا وإسبارطة إلى هرمز وتايوان | د. عبدالله بلحيف النعيمي

20 مايو 2026 00:36 صباحًا | آخر تحديث: 20 مايو 00:37 2026

في إطار لقاء بين الرئيسين الصيني والأمريكي ببكين، استُحضرت نظرية “فخ ثوسيديديس”، التي تعود لأكثر من ألفي عام، لتسليط الضوء ليس على الماضي بل على التحديات المستقبلية التي تواجه العلاقات بين القوى العظمى اليوم. هذا المفهوم التاريخي، الذي وصف صراع هيمنة بين أثينا الصاعدة وإسبارطة المهيمنة، يعكس اليوم التوترات المتصاعدة في النظام الدولي خاصة في منطقتي مضيق تايوان ومضيق هرمز الحيويتين.

الأساس في “فخ ثوسيديديس” يكمن في الخوف المتبادل واحتمالية سوء التقدير بين قوة صاعدة تسعى لتوسيع نفوذها، وقوة مهيمنة تحاول الحفاظ على مكانتها، مما يرفع احتمالات الانزلاق نحو الصراع دون رغبة حقيقية من الطرفين في الحرب. هذا السيناريو يتناغم مع الواقع الحالي بين الولايات المتحدة والصين، إذ يتحول التنافس من المجال الاقتصادي والتكنولوجي إلى الميدان البحري الاستراتيجي.

تُعتبر الصين اليوم بمثابة “أثينا الجديدة” التي تعزز نفوذها العسكري والاقتصادي، وتضع مضيق تايوان في صلب أمنها القومي، بينما تنظر الولايات المتحدة كـ”إسبارطة المعاصرة” إلى الدفاع عن تايوان كضرورة للحفاظ على توازن القوى الإقليمي ومنع تعديل قواعد النظام الدولي تحت نفوذ بكين.

يتجلى هذا الصراع في مضيق تايوان الذي يشكل مسرحاً مباشراً للصدام المحتمَل، حيث تسعى القوة الصاعدة لاستعادة مناطق نفوذها الحيوية، وتعمل القوة المهيمنة على تفادي انهيار الهيمنة التي بنتها بعد الحرب الباردة.

تكشف الإحصاءات حجم الرهان، إذ يعبر مضيق تايوان نحو نصف حركة سفن الحاويات العالمية، كما تمر عبره تجارة تقدر بين 2.5 إلى 3 تريليونات دولار سنوياً، إضافة إلى تصدير ما يقارب 70% من التقنيات عالية المستوى لكل من كوريا الجنوبية واليابان. يشكل هذا المضيق شرياناً أساسياً لسلاسل توريد أشباه الموصلات، التي تُعدّ ركيزة للاقتصاد العالمي، ولذلك فإن أي اضطراب فيه ينعكس فوراً على الأسواق والأسعار وعلى الأمن الإقليمي.

لكن التوتر لا يقتصر على شرق آسيا، بل يمتد إلى مضيق هرمز الذي يمثل نقطة محورية في أمن الطاقة العالمي. عند هذا المضيق، تتشابك مصالح القوى الكبرى وسط تغيرات في ميزان القوة البحرية وتصاعد نفوذ قوى إقليمية، إذ أن هرمز ليس مجرد ممر نفطي، بل محور استراتيجي أساسي.

تعتمد الصين بشكل كبير على واردات النفط التي تمر من الخليج، حيث تشكل نحو 45% من احتياجاتها عبر مضيق هرمز، مما يجعل استقرار هذا المضيق ركيزة في أمنها القومي. بالمقابل، رغم تقليل الولايات المتحدة اعتماده المباشر على نفط الخليج، إلا أنها لا تزال تعتبر أمن الممرات البحرية ضرورة للحفاظ على موقعها في النظام الدولي، مما يرسّخ التنافس بين القوتين في ظل تحولات عالمية.

التاريخ يعلمنا أن السيطرة على الممرات البحرية كانت دوماً من نقاط الضعف للقوى الكبرى، كما رأينا سقوط أثينا بعد فقدانها هذا السيطرة، مما يضاعف أهمية هذا الملف الراهن.

استدعاء “فخ ثوسيديديس” في بكين كان أكثر من مجرد ذكرى تاريخية، بل حمل تحذيراً صريحاً من أن العالم يمر بمرحلة انتقالية كبيرة تستدعي حكمة سياسية عالية وقدرة على إدارة التنافس لتفادي تحول الصراع النظري إلى واقع جيوسياسي يعيد تشكيل وجه العالم.

تزور الولايات المتحدة الصين في وقت يدرك فيه الطرفان ضرورة تنظيم المنافسة، إذ تسعى بكين لإظهار أن صعودها ليس تهديداً، وأن التعايش بين قوتين عظميين ممكن إذا أُديرت الخلافات بشكل مسؤول، بينما تؤكد واشنطن على أهمية احترام قواعد محددة لمنع أي تغييرات أحادية في الوضع الراهن. أمام هذين الموقفين، يقف العالم أمام تساؤل هام: هل سيتمكن الطرفان من كسر دائرة الصراع والتجنب من الفخ التاريخي الذي وقعت فيه أثينا وإسبارطة، أم أن التاريخ سيعيد نفسه ضمن أطر جديدة؟

في الخلاصة، لم تكن العودة إلى مفهوم “فخ ثوسيديديس” مجرد استعارة، بل إطار تفاوضي ورسالة تحذير بأن المرحلة المقبلة في العلاقات الدولية تحتاج إلى إدارة فذة. مضيقا تايوان وهرمز أصبحا مرآتين تعكسان بوضوح مسار النظام الدولي المقبل، وأي تقصير في إدارة التنافس قد يقود العالم إلى صراعات عميقة تغير خارطة السلطة الدولية بشكل جذري.