ليس لقاءً بروتوكولياً على كل حال، لقاء الحضارات الكبرى والتقاء ممثليها يختلف عن اللقاءات الروتينية التقليدية لرؤساء باقى الدول، فتاريخ كل بلد عظيم هنا خلف رئيسه، قيم حاكمة لسياسة كلٍّ من مصر والصين لا يرى العالم منها إلا خير البشرية، فلا استغلال ولا عدوان ولا تدخل فى الشئون الداخلية للآخرين، ولا دعوة إلا للسلام العالمى والحوار ونبذ القتال والحرب والعنف.
اقرأ أيضا: الموت في حياة المصريين (1)
على كل حال، الصين وتقلبات قرن كامل انتهى فى مرحلة منه إلى إعلان الصين الشعبية فى أكتوبر ١٩٤٩، ولمدة سبع سنوات تتعثر الصين فى الحصول على اعتراف العالم بها كممثل شرعى للأمة الصينية، بينما العالم يعترف بحكومة القوميين هناك فى تايوان! رغم فارق السكان والمساحة! حتى يحدث ما لم يخطر على بال أحد، وتخرج مصر من الوصاية الدولية على قرارها السياسى المستقل وتعترف بالصين (بكين) كأول بلد عربى وأفريقى يفعل ذلك!
بينما يكون القرار المصرى بداية سلسلة جرت خلفها باقى دول العالم حتى حصلت الصين على مقعدها الدائم بعد أربعة عشر عاماً ويُترجم نهائياً فى العام الخامس عشر.. ومنذئذ، بين تقلبات أخرى واستقرار منذ نهاية السبعينات على اقتصاد مختلط سمح بالقطاع الخاص ثم بالملكية الفردية فى الزراعة، ليحقق اقتصاد الصين بعد سنوات ثانى أكبر ناتج محلى عالمى يدور بين الـ١٧ والـ١٩٪، وأكبر احتياطى نقدى فى التاريخ يزحف نحو الأربعة تريليونات دولار، وفائض تجارى مع دول العالم يتجاوز التريليون ومائة وعشرين مليار دولار، وحجم صادرات مهول يقترب من الأربعة تريليونات دولار، وفائض مع أوروبا والولايات المتحدة!
فى مصر أوضاع شبيهة، إذ ينقضى النصف الأول من القرن الماضى بوجود محتل أجنبى حتى مرحلة من الاعتماد على الذات نسجت فيها الدولة المصرية علاقات قوية مع الاتحاد السوفيتى والصين، لينعكس الأمر فى السبعينات وحتى سنوات خلت، كانت فيها العلاقات مع روسيا والصين ليست بالشكل الكافى، ليتبدل الحال منذ ٢٠١٤ بشكل كامل، وتحقق مصر التوازن المطلوب فى العلاقات الدولية، وتتحول العلاقة مع الصين من استمرارها شكلياً تقف عند حدود الاحترام المتبادل إلى صيغة العلاقات الاستراتيجية الشاملة، لتصل اليوم إلى أعلى مستوى لها فى تاريخها، تثبته الأرقام التى تتحدث عن ٢١ مليار دولار تبادلاً تجارياً، واستثمار صينى تراكمى فى مصر يتجاوز العشرة مليارات دولار، وحضور فى مشروعات كبرى فى العاصمة الإدارية والقطار الكهربائى ومنطقة «تيدا» الصناعية بالمنطقة الاقتصادية بقناة السويس، بما فيها من صناعات مهمة، ثم فى الطاقة بكوم أمبو ومنطقة البحر الأحمر بطاقة الرياح!
فى مصر ٣٣٦٦ شركة صينية ومشروعات تستوعب ٧٠ ألف مصرى وسياحة تجاوزت الـ٣٦٠ ألف سائح يتميزون بالإنفاق الكبير، وفى الصين ٨ آلاف مصرى يحولون إلى البلاد وفق إحصاء العام الماضى ما يزيد على ٢٣ مليون دولار.
اقرأ أيضا: شي جينبينج في القاهرة.. الساحرة
وأخيراً تعاون عسكرى يبلغ ذروته فى مناورات نسور الحضارة!
مصر عند الصين بلد تاريخى حضارى عظيم، لكنها أيضاً سوق كبيرة وبوابة لأفريقيا وممر دولى مهم وتلاقى ثلاث قارات، والصين لمصر تكنولوجيا واستثمار ودعم سياسى وعسكرى وتسعى -وستنجح- فى تحويله إلى توطين تكنولوجيا وصناعات مهمة تكون منطلقاً للتقدم فى مصر والتصدير لأفريقيا والأشقاء العرب.. كما يحدث، والتوازن السياسى، وفيه تعترف مصر بالصين الواحدة وفيها تايوان وهونج كونج وجزر ماكاو وتدعم الصين مصر فى قضاياها وحقوقها المائية والقضايا العربية، كذلك يحدث التوازن الاقتصادى من خلال أكبر عملية تبادل مصالح تتم بهذا المستوى!
المنتظر ورغم كل ذلك نقلة أخرى تحافظ على ما تحقق وتدفعه إلى الأمام.. وهذا ما ننتظره اليوم!
