الموت في حياة المصريين (1)

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

ما إن يموت أحد حتى يسارع المصريون إلى ذكر محاسنه، إلى درجة أن من يستمع إلى ما يُقال، أو يقرأ ما يكتب عن الميت، يندهش، ويتساءل: هل كان المرحوم يتمتع بكل هذه الخصال، ونحن لا نعرف؟ وقد يلوى شفتيه، ويلوذ بالصمت الحائر، بل قد يشرع هو الآخر فى تأبين ينطق بمجاملة واضحة.

اقرأ أيضا: شي جينبينج في القاهرة.. الساحرة

يستوى فى هذا جميع من ماتوا، لكن يظهر المديح والاستملاح والتقريظ أكثر، إن كان المتوفى واحداً من المعروفين، كاتباً كان أو سياسياً متمكناً، أو فناناً أو رياضياً بارزاً أو إعلامياً أو واعظاً دينياً أو رجل أعمال ثرياً، فيفرط مؤبّنوه فى ذكر مآثره ومناقبه، ويغضون الطرف عن مثالبه ومعايبه.

واستمرت هذه السمة زمناً طويلاً جداً، يمتد إلى آلاف السنين، ولم يجرحها سوى فترات من الإحن والفتن، ومثال لها الاستقطاب السياسى الذى أوجد الشماتة والتشفى والنكاية فى السنوات الأخيرة، وطال بعض من يقفون على طرفى النقيض فى الصراع، أو من يحسبهم أتباع كل طرف كذلك. لكن هذا يستهجنه التيار الاجتماعى العريض، ويراه ناتئاً أو نافراً من الاستواء العام إزاء الموت، والذى يقوم على احترامه والضعف أمامه، والغفران للميت، واستهجان كل إساءة إليه.

إن هناك فكرة راسخة لدينا ترى أن حضارتنا صنعتها نظرة المصريين إلى الموت. فسر التحنيط، الذى لا يزال خافياً عن الناس جميعاً، والأهرامات التى يقف الكل أمامها مشدوهين، من صنع تصور المصرى عن الحياة الأخرى. وحتى الكنوز التى لا تزال مطمورة، ونكتشف منها كل وقت جديداً، هى بنت تصور المصرى القديم لحياة أخرى بعد الموت، عليه أن يدخر لها من الذهب ما يعينه على أن يبقى فيها منعماً، مثلما كانت حاله فى الدنيا.

كان المصريون يقولون عن الميت «سافر فى الغروب»، أى ذهبت روحه فى اتجاه الشمس الغاربة، ولذا بنوا مقابرهم فى الغرب، بعيداً عن المساحات التى يزرعونها ويعيشون فيها على ضفاف النيل العظيم، وآمنوا بأن الموت انتقال، يبدو فيه الميت أقرب بالمسافر، الذى يجب أن يجتمع الناس لتوديعه.

اقرأ أيضا: «ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ».. رئاسة الجمهورية تنشر فيديو استقبال الرئيس الصيني في قصر الاتحادية

وتنشغل الأغلبية الساحقة من المصريين، لاسيما حين يتقدم بهم العمر، بالموت، ويتعدون فى هذا انشغال أبناء أمم أخرى، فتكثر فى أحاديثهم عبارات: «حسن الختام»، و«الكفن ليس له جيوب»، ودعاء «اللهم طيبنا له». ونجد الفقير منهم مهموماً بتجهيز ما تسمى «الخرجة»، وتعنى المصروفات التى تُدفع لتكفين الميت وتشييعه وعزائه. وبعض الناس يشترى كفنه بالفعل فى آخر أيامه. وهناك سيدات ريفيات وشعبيات يحتفظن بقطعة حلى، ويوصين ببيعها فور موتهن، لينفق منها على هذه «الخرجة».

وبالطبع فإن الناس فى مشارق الأرض ومغاربها يتحدثون عن الموت، وهم فى قلق منه، وسؤال حوله، وهو ما أظهرته دراسات كثيرة نفسية واجتماعية، لكن أعتقد أن المصريين هم أكثرهم حديثاً فى هذا الشأن، بل إنهم يزيدون على الكل فى شعورهم بالتواصل مع الموتى، ليس من خلال رؤى الليل وأحلامه، ولا تحرر روح الميت وانكشاف الأمر والسر له فيكون بوسعه متابعة ذويه من العالم الآخر، إنما أيضاً عبر تبادل المنفعة مع الموتى، والاعتقاد فى قدرتهم على التأثير فى مسار الأحياء ومصيرهم.

والدليل على هذا هى ظاهرة التبرك بأضرحة الأولياء والقديسين، باعتبارهم واسطة، أو بركة، أو أقرب إلى الله، ومن ثَمَّ بوسعهم أن ينفعوا رافع أكف الضراعة والدعاء أسرع وأكثر. وقد يأخذ الأمر معنى أعمق رمزية، وله تجليات مادية مباشرة، مثلما رصد عالم الاجتماع الكبير سيد عويس فى تحليله للخطابات التى يرسلها المصريون إلى ضريح الإمام الشافعى، ليس باعتباره فقيهاً أو عالم دين، إنما لأنه قاضٍ عادل ورع، يمكن أن يشكو إليه الناس الظلم الذى يلاقونه فى حياتهم.

اقرأ أيضا: 3 سنوات من التعاون.. فرح الزاهد في أحدث تعاقداتها مع «سينرجي» – الأسبوع

‫0 تعليق