قبل أكثر من خمسة وعشرين عاماً، وطئت قدمي للمرة الأولي مطار بكين، العاصمة الصينية. جئتها مسحوراً بما سمعته عن النهضة الصينية، وعن ذلك التنين الذي خرج من أقصي الشرق ليعيد كتابة قواعد الاقتصاد العالمي. كنت مفتوناً بالتجربة، لكنني كنت أيضاً خائفاً من حاجز اللغة، ومتردّداً أمام الاختلاف الحضاري مع بلاد كنت أصفها وقتها بأنها تقع في «آخر الدنيا».
لكن بكين سرعان ما أسقطت كل هذه المخاوف من اللحظة الأولي، ثم في شنغهاي، وبعدها في جوانزو، حيث معرض «كانتون» الشهير، اكتشفت أن المسافات لا تُقاس بالكيلومترات، وأن اللغة ليست دائماً الكلمات التي ننطق بها. هناك لغة أخري أكثر قوة: صدق المشاعر، والاحترام المتبادل، والرغبة في التعارف، والحماس لبناء المصالح المشتركة.
وبين مصر والصين، كان دائماً ما هو أكبر من السياسة وأقدم من الاتفاقات. حضارتان عرفتا معني النهر، وصنعتا من الزراعة والاستقرار والتجارة دولة وحياة وثقافة. ولذلك لم يكن غريباً أن يشعر المصري، وهو يمشي في شوارع بكين، بشيء من الألفة، وأن يشعر الصيني في القاهرة بأنه أمام حضارة يعرفها قبل أن يراها.
بعد أكثر من عقد على وصول الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى الحكم، يمكن القول إن زيارته الأولي إلى الصين عام 2014 لم تكن زيارة خارجية عادية، كانت اختياراً استراتيجياً.
كان الرئيس المصري يبحث عن شركاء جُدد في عالم يتغير، وكانت الصين تبحث عن طريق أوسع إلى الشرق الأوسط وأفريقيا. التقت الحسابات، وتحولت العلاقة سريعاً إلى شراكة حقيقية. في العاصمة الإدارية، ومنطقة «تيدا» في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ومشروعات النقل والطاقة والاتصالات، كلها عناوين في قصة أطول.
في 2014 ارتفعت العلاقات إلى مستوي الشراكة الاستراتيجية الشاملة، ثم أصبحت الصين واحدة من أهم الشركاء الاقتصاديين لمصر. واليوم يأتي شي جينبينج إلى القاهرة. لكن القاهرة التي تستقبله ليست القاهرة التي غادرها قبل عشر سنوات، والعالم أيضاً ليس العالم الذي كان علىه قبل عشر سنوات.
هذه المرة، يأتي الرئيس الصيني إلى مصر والشرق الأوسط يقف فوق برميل بارود. الحرب والتصعيد بين الولايات المتحدة وإيران يهدّدان أمن المنطقة، وأسواق الطاقة والتجارة الدولية، فيما تبقي قناة السويس واحدة من أهم مفاتيح الاقتصاد العالمي.
وهنا تصبح زيارة شي أكبر من العلاقات المصرية – الصينية. إنها زيارة إلى قلب الجغرافيا السياسية الجديدة. الصين لا تنظر إلى مصر باعتبارها سوقاً ضخمة فقط. تنظر إليها باعتبارها بوابة إلى أفريقيا، وعقدة أساسية في طرق التجارة العالمية، ودولة تمتلك قناة السويس، وثقلاً سياسياً وعسكرياً لا يمكن تجاوزه في الشرق الأوسط.
ومصر، في المقابل، لا تريد للصين أن تكون مجرد ممول أو مُنفّذ للمشروعات.
القاهرة تريد شراكة تُنتج: توطين صناعة، ونقل تكنولوجيا، وزيادة صادرات، واستثمارات صينية حقيقية، وتعاوناً في الطاقة الجديدة والسيارات الكهربائية والذكاء الاصطناعي والاتصالات، وتحويل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى منصة إنتاج وتصدير للصناعة الصينية إلى الأسواق العربية والأفريقية.
وهذا هو الاختبار الحقيقي للشراكة خلال السنوات المقبلة، فحجم التجارة بين البلدين اقترب من 21 مليار دولار في 2025، لكن الميزان التجاري لا يزال يميل بقوة لمصلحة الصين. والشراكة التي تستحق وصف «الاستراتيجية» لا ينبغي أن تكون مجرد زيادة في الواردات، وإنما بقدرة مصر على الإنتاج والتصدير والدخول إلى سلاسل القيمة الصينية والعالمية.
اقرأ أيضا: 3 سنوات من التعاون.. فرح الزاهد في أحدث تعاقداتها مع «سينرجي» – الأسبوع
ومن المنتظر أن تحمل الزيارة اتفاقات جديدة في النقل والبنية الأساسية، من بينها تمويل وتوسعة مشروع القطار الكهربائي الخفيف، إلى جانب دفع التعاون في مجالات الصناعة والطاقة والتكنولوجيا، فضلاً عن استمرار ترتيبات تسوية التجارة بالعملات المحلية، بما يُقلل تدريجياً من الاعتماد على الدولار، لكن هناك رسالة أخري، ربما تكون أهم من كل الاتفاقات الاقتصادية. شي جينبينج يأتي إلى القاهرة في لحظة يتصاعد فيها الصراع الأمريكي – الإيراني.
والصين لا تستطيع أن تكون بعيدة عن الشرق الأوسط، مصالحها في الطاقة والتجارة والممرات البحرية أكبر من أن تسمح لها بذلك.لكن بكين لا تريد، في المقابل، أن تدخل المنطقة بالطريقة الأمريكية التقليدية: قواعد عسكرية، أحلاف، واستقطاب. إنها تحاول بناء نفوذ مختلف. الطريق إلى الشرق الأوسط يمر من الاقتصاد، ثم الدبلوماسية، ثم السياسة، وهنا تأتي أهمية مصر.
فالقاهرة تستطيع أن تتحدّث مع واشنطن، وموسكو، وبكين، وطهران، والعواصم العربية، دون أن تكون مضطرة إلى اختيار معسكر واحد. وفي زمن الاستقطاب، تصبح القدرة على فتح الأبواب قيمة استراتيجية في حد ذاتها.
ولعل شي جينبينج يعرف جيداً لماذا اختار أن يعود إلى القاهرة، ففي مقاله عشية الزيارة، استعاد المثل المصري الشهير: «اللي يشرب من النيل لازم يرجع له»، لم تكن العبارة مجاملة بروتوكولية. إنها تعبير عن إدراك صيني عميق لمكانة مصر، مصر التي أسرت الصينيين بحضارتها، وأسرتهم أيضاً بموقعها، وبقدرتها على أن تكون جسراً بين القارات والأسواق والسياسات.
قبل خمسة وعشرين عاماً ذهبت إلى الصين أبحث عن سر التنين، واليوم يأتي التنين إلى القاهرة.
ربما تغيّرت موازين العالم، وتغيّرت خرائط القوة، لكن شيئاً واحداً لم يتغير: القاهرة ما زالت تعرف كيف تسحر القادمين إليها؟ والذين يشربون من النيل.. لا ينسون أبداً الطريق إلى القاهرة.
اقرأ أيضا: سعر الدولار اليوم الأربعاء 2 سبتمبر 2026 في البنوك والصرافة – الأسبوع
