عن النّور الذي فيه ظُلمة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

ثمة عبارةٌ لابن
تيمية رحمه الله تعالى تبدو -كلما أمعن المرء النظر فيها- أكبر من سياقها المباشر
وأقرب إلى أن تكون مفتاحاً لفهم مساحةٍ واسعة من الحياة البشرية والعمل العام؛
يقول في “مجموع الفتاوى: 10/354”: “فإذا لم يحصل النّور الصّافي
بأن لم يوجد إلا النّور الذي ليس بصافٍ وإلا بقي الإنسان في الظّلمة؛ فلا ينبغي أن
يعيبَ الرّجل وينهى عن نورٍ فيه ظُلمة، إلا إذا حصل نورٌ لا ظلمة فيه، وإلا فكم ممّن
عدَل عن ذلك يخرج عن النور بالكلية لمَا رآه في طرُق النّاس من الظلمة”.

اقرأ أيضا: إيهود باراك يهاجم نتنياهو.. “كحيوان جريح في فخ”

كان ابن تيمية
رحمه الله تعالى ينظر إلى المسالك التي اختلط فيها الصّفاء بالغبار فرأى أنّ العدل
يبدأ من شجاعة تسمية الأشياء بأسمائها، فقال: “وهذا أصلٌ عظيم وهو أن تعرفَ
الحسنة في نفسها علماً وعملاً سواء كانت واجبةً أو مستحبةً، وتعرفَ السّيئة في
نفسها علماً وقولاً وعملاً محظورةً كانت أو غير محظورة -إن سمّيت غير المحظورة
سيئة- وإنّ الدّين تحصيل الحسنات والمصالح وتعطيل السيئات والمفاسد، وإِنَّهُ كثيراً
مَا يجتمعُ في الفعلِ الواحد أو في الشَّخص الواحد الأَمران”.

فكأنّ العبارة
كُتبت لكثيرٍ من مشروعاتنا الفكريّة والعلميّة والدّعويّة والسياسيّة اليوم؛ فقد
تجتمعُ الوردة والشّوكة في الغصن الواحد ويجاورُ النورَ شيءٌ من العتمة، وتبقى
البصيرة هي القدرة على أن نفتح للنور نافذته ونشير إلى الظلمة باسمها من غير أن
نطفئ النّور أو نجمّل العتمة.

والمشاريع
البشرية -سواءً كانت فكريّةً أم دعويّةً أم سياسيّةً- ليست ملائكةً تمشي على الأرض،
ولكنّها أفكارٌ يحملها بشر وقراراتٌ تتخذها عقولٌ محدودة وتجارب تشق طريقها في
تربةٍ فيها الطين والحجر والماء؛ ولهذا قد يكون المشروع في أصله خيراً وفي وجهته
خيراً وفي ثمرته العامة خيراً، ثم تعلق بثيابه أخطاء ويدخل إلى بعض قراراته ظلم
وتظهر في أطرافه مصالح ضيقة أو نزعات بشرية أو تقديرات سيئة؛ فيكون أمامنا نورٌ
فيه ظلمة ومن العدل أن نحفظ للنور اسمه وللظلمة اسمها.

وفي الجهة الأخرى
قد يقوم مشروعٌ على أصلٍ فاسد أو روحٍ ظالمة أو غايةٍ تهدم الإنسان والحق ثم يقدم
في الطريق منفعةً هنا أو موقفاً حسناً هناك، فتلمع في جدار العتمة نافذةٌ صغيرة؛
تلك النافذة تستحق أن يُقال عنها نورٌ بينما يبقى البيت في أصله مظلماً؛ فوجود
الخير الجزئي لا يعيد تسمية الشر الكلي، كما أن وجود الخطأ الجزئي لا يمحو خيراً
غلب على مشروعٍ صالح. فالقضية إذن أن نعرف روح المشروع والدّم الذي يجري في عروقه؛
تلك الرّوح التي تظهر حين تضيق به السبل وتتزاحم أمامه المكاسب والخسائر ويغدو
عليه أن يختار بين ما يحبّ وما يؤمن به.

ومن أكثر ما يربك
الشباب في النظر إلى مشروعات العمل العام نزعةٌ خفية إلى الطهرانية؛ كأن المشروع
الفكري أو الدعوي أو السياسي ينبغي أن يخرج من التاريخ كما تخرج الوردة من لوحة
رسام، بلا ترابٍ في الجذور ولا خدشٍ على الأوراق ولا أثرٍ ليد البشر، يريدون فكرةً
لا تتلعثم في أول الطريق وقيادةً لا تخطئ في تقدير ومؤسسةً لا تتأخر عن واجب،
وموقفاً سياسياً يخرج من كل تزاحمٍ نقيَّ الثوب كما دخل، فإذا رأوا خطأً في مشروعٍ
ظنوا أن الخطأ قد أكل أصلَه وإذا وجدوا نقصاً في رجاله شعروا أن النقص قد أسقط
شرعيته كلها.

والحياة أوسع من
هذا البياض المتخيَّل؛ فكل مشروعٍ يدخل التاريخ يحمل معه شيئاً من طين البشر ومن
تعبهم وعجلتهم وتفاوت بصائرهم وضيق اللحظة التي اتخذوا فيها القرار، والفكرة وهي
في الرأس تشبه قصيدةً مكتوبة بالحبر الأزرق ثم تنزل إلى الشارع فتتعرض للمطر
والغبار واليد المرتجفة، ويبقى السؤال الأصدق عن روحها التي تقودها وعن الجهة التي
تمضي إليها وعن قدرتها على مراجعة نفسها كلما ابتعدت خطوةً عن مقصدها.

ولهذا يحتاج
الشاب إلى تربيةٍ طويلة على احتمال تركيب الأشياء؛ أن يرى الخير وفي أطرافه نقص
وأن يرى الخطأ داخل مشروعٍ يحبه من غير أن تسقط صورته كلها في قلبه، وأن يظل قادراً
على تسمية الجرح جرحاً وهو يواصل حماية الجسد. هذه القدرة إحدى علامات النضج؛
فالعقل الصغير يحب الصور المكتملة، أما العقل الذي خبر الحياة فيفهم أن أجمل
الأشجار تحمل أوراقاً يابسة وأن صفاء النهر يُعرف من مجراه الطويل أكثر مما يُعرف
من حفنة ماء تُلتقط منه في لحظة.

وعند هذه النقطة
يتغير معنى الوفاء للمشروع؛ يصبح الوفاء حراسةً لروحه من أخطائه ومساعدةً له على
العودة إلى نفسه كلما أثقلته الطريق، فالمحب الحقيقي للمشروع هو الذي يبقي نافذته
مفتوحةً للهواء ويمنع أخطاءه الصغيرة من أن تتحول مع الزمن إلى أثاثٍ دائم في
البيت؛ لأن الظلمة تبدأ غالباً نقطةً صغيرةً في طرف المصباح ثم تكبر حين يعتادها
الذين يحملونه.

غير أنّ للطّهرانية
وجهاً آخر يولد من الجهة المقابلة؛ وجهُ العصبية للمشروع إذ تبدأ المحبة بريئة ثم
تتحول شيئاً فشيئاً إلى رغبةٍ في حماية الصورة، فيثقل على القلب الاعتراف بظلمةٍ
تسلّلت إلى النور الذي يحبّه، وتبدأ اللغة في تبديل أسماء الأشياء؛ فالخطأ الفجّ
الكارثيّ يصبح “اجتهاداً مأجوراً”، والظّلم الصّريح “ضرورة”،
والانحراف البيّن يغدو “مرحليّة”، والمصلحة الضّيقة ترتدي ثوب
“المصلحة العامة”، حتى يصل المشروع إلى أخطر مطالبه من أتباعه وهو أن
يعيدوا ترتيب ميزانهم الأخلاقي كي يبقى هو جميلاً في أعينهم، غير أنّ أصدق الوفاء
للمشّروع أن يبقى النّور فيه نوراً وتظلّ الظّلمة فيه معروفةً باسمها.

ولهذا فإنّ
مشاريع العمل العام تحتاج إلى عينٍ تسكن قلبها؛ عينٍ تحبّها حتى تحرسها من نفسها
وتعرف أن أوفى الناس للسّفينة هو من يمدّ إصبعه نحو الثقب الصغير في قاعها قبل أن
يكبر؛ فالأشرعة الجميلة وحدها لا تمنع الماء من الدّخول والتسرّب إلى أرض السفينة.

اقرأ أيضا: تحليل رسالة الملك للحراسيس… الملك يريد جيشًا يرى الخطر قبل وصوله.

ويبلغ العدل
مرتبةً من صفاء القلب حين ترى النور في يد خصمك فتسميه نوراً وأن ترى الظّلمة في
يد من تحبّ فتسمّيها ظُلمة، فالمحبّة التي تغيّر أسماء الأشياء تبدأ عاطفةً وتنتهي
ستاراً كثيفاً على البصيرة، وأما الشريعة فتعيد الأشياء دوماً إلى حقيقتها ونصابها
ولذلك قال الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ
بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ
وَالْأَقْرَبِينَ” (النساء: 135).

والمشروع في آخر
الأمر طريقٌ إلى الحقّ، والجماعة مركبٌ إليه، والقائد إنسانٌ يمشي في الطريق مثل
سائر الناس؛ فإذا صار الطريق أقدس من الغاية والمركب أعزّ من الشاطئ بدأت الوسائل
تأكل المعاني التي وُجدت من أجلها.

ولهذا يكون
الوفاء الحقيقي للمشروع في أن نحمل نوره ونوسّع مساحته ونبقي أصابعنا على مواضع
الظلمة فيه؛ فالنور الذي نخدمه يستحق قلباً صادقاً ويداً تقف في وجه الظّلمة أكثر
مما يستحق عيناً مغمضة متغاضية، ويستحق منّا أن نقول له كلما امتدّت إليه نقطة من
ظُلمةٍ: هذا نورُك فنحميه بعقولِنا وألسنَتِنا وأقلامنا، وهذه ظُلمةٌ غريبةٌ
فنحرسك منها.

x.com/muhammadkhm


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

اقرأ أيضا: وزير الخارجية يتلقى اتصالا هاتفيا من نظيره المصري

‫0 تعليق