سيزيف والبحث عن المعنى.. حين يصبح الشعر مواجهة مع الغياب

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

  • سيزيف يستعير قلما من شاعر أنيق

إلى كريم وسعيد أخوي: لا سماوات لتحتويكما

اقرأ أيضا: إرهابي يسلم نفسه ببرج باجي مختار

“أجنون؟ من أنا في هذه الظلمة؟ علمني وأرشدني، يا هذا الجنون”

يكسر المرآة ووجه المدينة الموبوءة بالليل والعبث ومعارك الشعراء، الذين يسكرون من الرتابة وصدى اللغات وبريق النهود

أدونيس

اللحن الكامن أبدا داخل الفراغ. إطار الصورة التي تستعير وجه كاتب كان يكتب في جنبات الشوارع. مواء قط الجيران. قاموس لا بداية له ولا نهاية. ريح خفيفة تتوسد نشيدا مدرسيا. سيدة تقطف أزهار البرتقال..

وفجأة يقرر أن يصمد حتى النفس الأخير، مثل ثائر يحلم بقلب السؤال رأسا على عقب. يجهش بالخطابة ويخط بلاغات موجهة لطيور المساء.

حارب الصحراء وهجوم النسيان.

باسم الشعر كان يخط البداية: الكلمة، السنابل، الحب.

توسد كتابا يحجب شبه حياة.

واستراح في اللغز القديم.

وفي فنجان قهوته وسر دخان سجائره،

كان يحضر الله: يبتسم له، يغفر له خطاياه، ويغمره بالشعر والمطر الخفيف.

يكسر المرآة ووجه المدينة الموبوءة بالليل والعبث ومعارك الشعراء، الذين يسكرون من الرتابة وصدى اللغات وبريق النهود. كانت تحملها نملة من المكان للزمان تارة، ومن الزمان للمكان تارة أخرى..

المدينة الكاذبة لا تبتسم سوى للسياح والدراويش ومرضى الجذام.

لا يعجبها النخل ولا عشاق آخر الليل.

  • مدينتك مغرمة بالسؤال والعري.
  • مدينتي تحب النص المستحيل، وبقايا الخبز المهمل على جنبات البيوت.
  • مدينة لا جدوى.
  • ربما كان ينقصها تاريخ لا يستقر على حال، أو فلاسفة مرضى بالفواجع.
  • ربما.

يغيب المعنى ويمسي أثرا قديما. تحل اللعنة بالمقاهي، وتراقص شجرة سرب حمام. يستعير سائح وشما من الزقاق، وتسكن قدم بيضاء خفا جلديا.

ويستعير سيزيف قلما من شاعر أنيق.. وبيني وبين اللغة المستحيلة، كانت المدينة تعبث بالسؤال والخرافة القديمة.

  • هل هذا أنا الذي يحيي جنديا رومانيا؟
  • لا. أنت من يسترق السمع لمنطق الفيلسوف.

ترتعش يداي وأنا أنفث دخان سيجارتي. قلق ثائر في خضم معركة يسري بداخلي.

أشبه بذرة فقدت أشلاءها.

أتنفس طمأنينتك وأحبك.

أسمع أنفاسي وأرتعش.

أحبك وحدك.

أغيب وأحضر على وقع ملامحك.

لا بد من حضور ما ولو كان خافتا. لا يهم حجم الخفوت. المهم حضور ما.

  • كحضور الفيلسوف حين يتعرى في الساحة العامة ويمارس حماقاته.
  • أشعر أن منفاي هو الحضور، مهما كان حجم خفوته.

كان الموت رفيق النفس، أو ربما كان النفس كله. والسؤال كان كل كلي. والشهوة المغلفة بالقلق كانت روحا تائهة خلقت لتشاكس الغياب. وحين أتآكل من الحزن، كنتني أتغنى باللاجدوى وأتأبطها.

جسد يتغذى على قصص الغرباء، ويمسك تلابيب سمفونية حولاء حين يغلبه القدر. تتبادل أذناه الأدوار كميزان مختل. يحضره الشر من اليمين ويدير شماله للفضيلة

أستعير رزمة كلمات وأحملها فتنة الأسئلة، وأهديها لأول نهد يضيء في المدينة. ومثل درويش يغلبه المطلق والصمت، أنتظر الأفول الوشيك لكل شيء.

غريب ما يمشي مشية جندي يتسلح بالفضيلة وحدها. ولا زاد له سوى يتم عتيق، وصورة لحضارة قديمة يتأبطها كالشر، وزعنفة تسبقه كظل المسيح.

وربما كان مقبرة للنبيذ، ربما. لكنه بالتأكيد كان يتمتم بالعقائد القديمة.

غاب الغريب. وحضر الغياب في صورة حساء على طاولة شاعر ينتظر قصيدته في شقة ملوثة بالكتب وبقايا هزائم.

جسد يتغذى على قصص الغرباء، ويمسك تلابيب سمفونية حولاء حين يغلبه القدر. تتبادل أذناه الأدوار كميزان مختل. يحضره الشر من اليمين ويدير شماله للفضيلة.

لا جدوى.. الغياب الذي أودى بحضور الكيان الذي لا يشبهه شيء.

الذي لا سماوات لتحتويه.

يا الكيان: كنت أحمل ذاكرتنا معا، وأعاتب سترتك العسكرية. وحين يجف النهر كنت أصيرك في الكلمة.

فاشهد أني كنت مرادفا للسؤال، وأني نعناع الحديقة، وأني زليج البيت القديم، وقيظ الصيف، وبقايا الشمعة، وحلما يسكن قبرك البارد. اشهد أني زيتونة الحقل، والرمان جنب البئر.

اشهد أني حضورك ضدا في الغياب الفتاك جدا.

وكنتني مثل القيامة أنهض وأشتم وأكتب وأصلي.

أهدم وأبني وأقطف الذاكرة وأشيخ،

أهذي وأحتسي نبيذي كأنني أنت.

هاوية مجنونة تطل من زاوية معجزة كلمة ما.

لا جدوى عجائبية تشبه غربة الزمان والمكان معا.

يا الكيان: إنني هاهنا أشيح ببصري نحو محنة السؤال، وأتغنى بالحب الفاتن وأقطف آخر وردة في الحقل.

كنت أمص رحيق وجودك وأندثر.

كان الكفن أخضر.

بل كان أزرق.

اقرأ أيضا: طيران الهند توسّع اختبارات المخدرات لتشمل أكثر من 5 آلاف طيار

  • يشبه الموت؟
  • يشبهه الموت..

كان أكبر من السماوات جميعها. ومرادفا للفضيلة والمعنى كان.

كنت ربع ظله.

وعند التيه أتوسد حقيقته.

وكي يخضر الحقل البعيد، أصير حبة قرنفلة.

كان اللاجدوى قدر هذا العبث.

وذرة الضوء الوحيدة

كان هو. وهو وحده.

كنتني أنظر في مرآة الاحتمالات غير المعقولة، وأتغنى بالمساءات والغسق والنبيذ والخيول والطيور التي تفني عمرها وهي تناور الهواء.

لا شرفة لتعكسها المرآة.

لا ندى فوق الرخامة اليتيمة.

لا مدى لأشاكسه.

لا أبعاد لهذه الدوامة المقلقة جدا.

يا اليتم السرمدي: يا ضجيج السؤال، ويا تيها يشكل المعنى بلا جدوى.

وكضوء الصباح وكالصراط، تنفخ في دواخلي بالحياة.

يا كل الحياة عندي، لا سماوات لتحتويك ولا لغة.

كالوجود كله: أكبر من الأفق ومن الخيال والأسئلة.

تتآكل الكلمات ويهيمن البياض، ويتفكك إطار الصورة. تحترق المدينة ويحلق الطيبون نحو السماء. يسود السؤال ويعبث بذاكرة العالم، ثم يأكلها ويتأسف

ما الحقيقة يا هواء معتقا بالقلق؟

هذي الشرفة لا تطل إلا على عبث يدثر العالم. يوزعه ويعيد تشكيل الحضور والغياب، يبعثر المضمون ويشتم الحضارات والقصائد.

يتهكم باللغة والموسيقى، ويندس في جلباب الفضيلة حين تذوب ملامحه. يعجبه صدى المطلق وينذر أنفاسه للكهف.

ولأن اللاجدوى كالمهندس القديم، لم تحضر هبة بروميثيوس لتعكس الحقيقة في واجهة صدر الكهف.

  • إنك تروم القبض على كيان عصي على القبض.
  • إني أعلن في الناس أن دوامة الوجود ملعونة مثل اللغة، كل اللغة.
  • مثل نبي؟
  • بل مثل مسموم لدغته انعطافة شكلت قبر السؤال.

تتآكل الكلمات ويهيمن البياض، ويتفكك إطار الصورة. تحترق المدينة ويحلق الطيبون نحو السماء. يسود السؤال ويعبث بذاكرة العالم، ثم يأكلها ويتأسف.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

اقرأ أيضا: مسؤول إعلامي مغربي: أحداث سبتة فضحت النوايا المغرضة لبعض الإعلام الإسباني

‫0 تعليق