
مع تحول الحرب مع إيران تدريجيا من المواجهة العسكرية إلى صراع على القدرة الاقتصادية والتحمل، تعود واشنطن إلى سلاح العقوبات والضغط المالي في محاولة لدفع طهران إلى تقديم تنازلات بشأن برنامجها النووي ومضيق هرمز، وبينما تتجاوز الإدارة الأمريكية المهلة المحددة للتوصل إلى اتفاق أوسع، تبدو الاستراتيجية الحالية شبيهة بسياسات الضغط التي اتبعتها واشنطن في السابق، وسط شكوك متزايدة حول قدرتها هذه المرة على دفع إيران إلى تغيير حساباتها أو إنهاء المواجهة.
اقرأ أيضا: مليون كتاب نادر ومخطوطة أرشيفية.. حكاية أشهر بائع كتب في حلب | ثقافة
وفي هذا الإطار، نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقالا للصحافيين آرون بوكسرمان وزولان كانو-يونغز وديفيد سانغر، قالوا فيه إن اتفاق وقف إطلاق النار الذي أبرمه الرئيس ترامب مع إيران في حزيران/يونيو كان يهدف إلى التوصل، خلال 60 يوما، إلى اتفاق أوسع ينهي الحرب ويكبح البرنامج النووي للبلاد، غير أن الموعد النهائي، الذي يحل يوم الاثنين، أُهمل فعليا، فيما تحولت الحرب إلى صراع إرادات وقدرة على الصمود الاقتصادي لا تلوح له نهاية في الأفق.
وعلى الرغم من عدم ورود تقارير علنية عن شن الولايات المتحدة ضربات ضد أهداف إيرانية منذ أواخر تموز/يوليو، فإن الانهيار الفعلي للاتفاق يكشف حجم الصعوبات التي واجهها ترامب في إنهاء الحرب التي بدأها في شباط/فبراير بالاشتراك مع دولة الاحتلال، كما يسلط الضوء على مدى ابتعاده عن تحقيق طموحات اتفاق حزيران/يونيو، وفي مقدمتها إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل.
ويُعد المضيق ممرا مائيا حيويا، عطلت إيران عبره حركة شحن النفط والغاز منذ اندلاع القتال، الأمر الذي جعل مسألة إعادة فتحه واحدة من أبرز القضايا التي باتت تحدد مسار الصراع.
البيت الأبيض يتوقع تجاوز الموعد النهائي
وفي ظل هذا الوضع، يدرك المسؤولون داخل البيت الأبيض تماما أن الإدارة ستتجاوز الموعد النهائي المحدد ليوم الاثنين، وأن الصراع تحول في معظمه إلى حرب اقتصادية، وفقا لشخصيتين أمريكيتين ملمتين بتفاصيل المفاوضات.
وتحمل الاستراتيجية الحالية تشابها لافتا مع محاولات أمريكية سابقة استمرت لسنوات لعزل إيران، أملا في إجبارها على التخلي عن طموحاتها النووية، إلا أن تلك السياسة حققت نتائج متباينة، فيما يبدي بعض المحللين تشككا في أن تؤدي الضغوط الاقتصادية الشديدة وحدها إلى إجبار إيران على تغيير مسارها.
اظهار أخبار متعلقة
وفي نهاية المطاف، كان هذا هو النهج الذي اتبعه ترامب خلال ولايته الأولى، رغم أن وزير الخزانة سكوت بيسنت صرح الأسبوع الماضي بأنه بصدد فرض عقوبات مالية غير مسبوقة.
اتفاق حزيران/يونيو منح إيران مكاسب مؤقتة
وكانت مذكرة التفاهم المبرمة في حزيران/يونيو تُنظر إليها على نطاق واسع باعتبارها مكسبا لإيران، إذ منحت النظام تخفيفا للعقوبات كان في أمس الحاجة إليه، بينما أُرجئت المحادثات بشأن تنازلات صعبة، مثل ملف التخصيب النووي، إلى وقت لاحق.
لكن القادة الإيرانيين اختاروا التصعيد مجددا بدلا من ترسيخ المكاسب التي حققوها من الاتفاق، وفقا لما ذكره نيت سوانسون، الخبير في الشأن الإيراني لدى “أتلانتيك كاونسل”، وهي مجموعة بحثية تتخذ من واشنطن مقرا لها.
ومع عودة التصعيد، برز مضيق هرمز بوصفه نقطة الخلاف الأكثر حساسية بين الجانبين، بعدما كان عبوره متاحا للسفن بحرية قبل اندلاع الحرب.
مضيق هرمز في قلب المواجهة
أدى انهيار الاتفاق إلى تفاقم أزمة المضيق، إذ تمسكت إيران بموقفها القائل إن الصياغة الغامضة للاتفاق بشأن هذه المسألة تمنحها السيطرة على الممر المائي.
وبدأت إيران في إطلاق النار على السفن التي تعبر قنوات تقع خارج المياه الإقليمية الإيرانية، وردت القوات الأمريكية بقصف جنوب إيران، ما أطلق شرارة سلسلة من الهجمات والهجمات المضادة في أنحاء الشرق الأوسط.
والآن، ترفض إيران إعادة فتح المضيق ما لم تفِ الولايات المتحدة بالتزاماتها بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، مثل الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج.
في المقابل، يقول علي واعظ، الخبير في الشأن الإيراني لدى “مجموعة الأزمات الدولية”، وهي مؤسسة بحثية، إن إدارة ترامب تريد من إيران إنهاء الحصار أولا.
اظهار أخبار متعلقة
وقال واعظ: “لا يوجد أي من الطرفين مستعد حقا لإبرام اتفاق نهائي؛ فكلاهما يعتقد أن الطرف الآخر سيكون أكثر حاجة للاتفاق في غضون أيام أو أسابيع، وبالتالي سيتمكن من تحقيق مكاسب أكبر منه. ولهذا السبب نحن عالقون مجددا في لعبة عض الأصابع هذه”.
الإمارات تنتقد إيران بعد مهاجمة سفينة لـ”أدنوك”
وفي تطور متصل بأزمة الملاحة، انتقدت وزارة الخارجية الإماراتية، يوم السبت، إيران بشدة بسبب مهاجمتها سفينة تابعة لشركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) المملوكة للدولة في اليوم السابق.
ولم يصدر أي تعليق من المسؤولين الإيرانيين بشأن الهجوم.
إعادة فتح المضيق تتصدر حسابات ترامب
أصبحت مسألة إعادة فتح مضيق هرمز محور التركيز الرئيسي لترامب في هذا الصراع بشكل متزايد، رغم تصريحاته الأولية بأن الحرب كانت تهدف إلى تمكين الشعب الإيراني من الإطاحة بالنظام القائم، وتقويض قدرات إيران الصاروخية بشدة، ومنع طهران من الحصول على سلاح نووي.
لكن، منذ “وقف إطلاق النار” في حزيران/يونيو، لم تظهر مؤشرات تذكر على أن إيران والولايات المتحدة ناقشتا البرنامج النووي الإيراني بشكل موسع، ناهيك عن صياغة اتفاق يمكن أن يرضي الطرفين.
طهران: مهلة الـ60 يوما لم تعد ذات صلة
وفي هذا السياق، صرح عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، خلال عطلة نهاية الأسبوع، بأن إيران لم تقرر بعد ما إذا كانت ستستأنف المحادثات مع الولايات المتحدة.
وأضاف عراقجي أن الإطار الزمني المحدد بـ60 يوما لم يعد ذا صلة، نظرا لأن اتفاق حزيران/يونيو أصبح بحكم الملغى فعليا.
وقال: “لم يكن لدينا وقف لإطلاق نار يحتاج الآن إلى تمديد؛ بل كان لدينا إنهاء للحرب، وقد اتخذ الوضع الآن طابعا جديدا”.
ويأتي هذا الموقف في وقت يرى فيه مسؤولون أمريكيون سابقون عملوا على ملف إيران أن احتمالية التوصل إلى اتفاق نووي جديد بين الولايات المتحدة وإيران في غضون 60 يوما كانت دائما ضئيلة، رغم أن الاتفاق كان ينص على إمكانية التمديد.
اتفاق نووي جديد يواجه عقبات كبيرة
ويشير المسؤولون الأمريكيون السابقون إلى أن الاتفاق السابق، الذي أُبرم في عهد أوباما، استغرق التفاوض بشأنه نحو عامين من المحادثات الدقيقة والمعقدة.
وكان ترامب قد انسحب من ذلك الاتفاق، المعروف باسم “خطة العمل الشاملة المشتركة”، في عام 2018.
وفي الوقت نفسه، كانت إدارة ترامب تأمل أن يؤدي اتفاق حزيران/يونيو، على الأقل، إلى فتح مضيق هرمز. لكن المحللين يشيرون إلى أن إتمام الاتفاق اعتمد على صياغة غامضة منحت مصداقية لمزاعم إيران بشأن هيمنتها المستقبلية على حركة الملاحة في هذا الممر المائي.
اظهار أخبار متعلقة
اقرأ أيضا: أوروبا بدون أمريكا وهم إستراتيجي خطير | سياسة
وقال سوانسون، الخبير في الشأن الإيراني: “لقد كانت وثيقة معيبة؛ إذ أُنجزت على عجل قبل أن تكون جاهزة تماما”، مضيفا: “كما أنهم لم يعالجوا القضية الأهم على المدى القصير، وهي قضية المضيق”.
واشنطن تعيد العقوبات والحصار البحري
وبدلا من ذلك، يبدو أن الولايات المتحدة وإيران تتجهان الآن نحو صراع مفتوح الأمد، لا هو حرب شاملة ولا هو سلام محدد المعالم.
وفي مسعى منها لإجبار إيران على قبول الشروط الأمريكية، أعادت إدارة ترامب فرض العقوبات على النفط الإيراني، كما أعادت العمل بالحصار البحري، وهما إجراءان كان قد تم تعليقهما مؤقتا بموجب الاتفاق.
ويُعد الاقتصاد الإيراني المتعثر، الذي كان سببا في اندلاع احتجاجات حاشدة قُمعت بوحشية في وقت سابق من هذا العام، عاملا رئيسيا في حسابات صناع القرار في إيران.
غير أن سوانسون يرى أن حالة الجمود الراهنة من المرجح أن تدفع إيران نحو التصعيد بدلا من التهدئة.
تبادل التصريحات العدائية مستمر
وفي الوقت الذي لم يُحرز فيه سوى تقدم ضئيل بشأن الالتزامات المحددة في الاتفاقية، واصل ترامب ونظراؤه الإيرانيون تبادل التصريحات العدائية.
وخلال فعالية أقيمت في “غاردن سيتي” بولاية نيويورك يوم الجمعة، بدا ترامب عازما مرة أخرى على تغيير مسار النقاش العام، إذ صرح بأنه سيعلن قريبا أن مضيق هرمز “أرض تابعة للولايات المتحدة”.
ولم تكن جدية مقترح ترامب واضحة، غير أن خطوة كهذه قد تستلزم نشر قوات برية، ومن المؤكد أنها ستتطلب تواجدا بحريا طويل الأمد، وهي تحركات تتعارض تماما مع مبادئ “أمريكا أولا” التي يتبناها مؤيدو ترامب الراغبون في إنهاء الصراعات العسكرية الممتدة في الخارج.
مقترح السيطرة على هرمز يثير التساؤلات
وعُرف عن ترامب أيضا طرحه لأفكار غير مدروسة جيدا بشأن السياسة الخارجية بهدف تحويل مسار الاهتمام والتدقيق.
ومن أمثلة ذلك أنه صدم العالم العام الماضي باقتراح سيطرة الولايات المتحدة على قطاع غزة، وهي فكرة لم ترَ النور قط.
ولم يرد البيت الأبيض يوم السبت على استفسارات عما إذا كانت الإدارة قد وضعت خططا فعلية للسيطرة على مضيق هرمز، كما لم يرد مساعدو ترامب على أسئلة تتعلق بالموعد النهائي الذي يحل يوم الاثنين.
إيران تتمسك بمطالبها
وفي المقابل، تحدى المسؤولون الإيرانيون ترامب، بينما يواصلون الدفع بمطالبهم الخاصة، بما في ذلك مطلب لم يسبق لهم طرحه من قبل.
وفي هذا السياق، قال كاظم غريب آبادي، نائب وزير الخارجية الإيراني، عبر وسائل التواصل الاجتماعي: “تقبّلوا الواقع مرة واحدة وإلى الأبد؛ فقد منيتم حتى الآن بهزائم استراتيجية كبرى. إن مضيق هرمز كان إيرانيا، وهو إيراني، وسيظل إيرانيا”.
وهكذا، يجد اتفاق حزيران/يونيو نفسه أمام اختبار حاسم مع تجاوز المهلة التي حددها، بينما تحولت الحرب من مسار كان يفترض أن يقود إلى اتفاق أوسع بشأن إنهائها والبرنامج النووي الإيراني إلى مواجهة اقتصادية وميدانية وسياسية مفتوحة، يتصدر فيها مضيق هرمز المشهد، في ظل تمسك كل من واشنطن وطهران بمطالبه، وعدم استعداد أي منهما، حتى الآن، لتقديم التنازل الذي قد يفتح الطريق أمام اتفاق نهائي.
اقرأ أيضا: تأييد “ترامب” يهبط إلى 33% في أدنى مستوياته منذ عودته للبيت الأبيض
