
يشعر الأوروبيون بالقلق من أن شراكتهم الإستراتيجية مع الولايات المتحدة تقترب من نهايتها، ومخاوفهم مبررة.
اقرأ أيضا: تأييد “ترامب” يهبط إلى 33% في أدنى مستوياته منذ عودته للبيت الأبيض
فموقف الرئيس دونالد ترمب المتجاهل تجاه حلف الشمال الأطلسي (الناتو)، وقراره بوقف المساعدات لأوكرانيا، وتهديداته بالاستيلاء على غرينلاند من الدانمارك، وهجومه العشوائي على إيران، هذه الخطوات وغيرها تمنح الأوروبيين سببا وجيها للتساؤل عما إذا كان لا يزال بإمكانهم الاعتماد على حليفهم الأمريكي.
ومع ذلك، فمن السابق لأوانه جدا إعلان حدوث انقطاع لا يمكن إصلاحه ونهاية التحالف عبر الأطلسي. نعم، أوروبا بحاجة إلى خطة بديلة، والحكمة تقتضي أن يستعد الأوروبيون للاعتماد على أنفسهم تحسبا لقيام ترمب -الذي يتسم بالاندفاع وعدم القدرة على التنبؤ- بقرار سحب الدعم والانسحاب من حلف الناتو.
لكن هذا السيناريو مستبعد للغاية، فالتحالف عبر الأطلسي يقوم على مصالح وقيم مشتركة راسخة، ولا يزال أفضل شركاء أمريكا هم حلفاؤها الأوروبيون، ولا تزال أوروبا بحاجة إلى القوة الأمريكية وتوجهاتها لضمان أمنها.
وبناء على ذلك، ينبغي للأوروبيين أن يواصلوا زيادة ميزانياتهم الدفاعية والسعي لاكتساب المزيد من الثقل الجيوسياسي، لكن عليهم أن يتعاملوا مع ترمب على المدى الطويل، بالعمل معه عندما يكون ذلك ممكنا، والوقوف في وجهه فقط عند الضرورة.
ومن المرجح جدا أن يخرج حلف الناتو من عهد ترمب ليس فقط سالما، بل معززا بعمود أوروبي أقوى.
الحرب المستمرة التي تشنها روسيا ضد أوكرانيا، والإشارة العدوانية التي يبعثها هذا الصراع إلى حلف الناتو نفسه، ستجعل انسحاب الولايات المتحدة من أوروبا عملا من أعمال الحماقة الإستراتيجية
إعادة التوازن إلى الحلف الأطلسي
ترمب محق في إصراره على إعادة التوازن إلى الحلف الأطلسي، فطوال فترة طويلة جدا، قصر الأوروبيون في الاستثمار في جيوشهم، حيث غمرهم شعور بالرضا عن الذات بفضل الدرع الحامي الأمريكي والسلام الذي بدا مستقرا والذي ساد بعد انتهاء الحرب الباردة.
يمكن لترمب بالتأكيد أن يتحلى بمزيد من اللباقة وهو يحث الحلفاء الأوروبيين على زيادة الإنفاق الدفاعي؛ فطريقته المتسلطة تولد استياء لا داعي له.
لكن إلى جانب التهديد الروسي المتجدد، فإن حملة الضغط التي يشنها ترمب تؤتي ثمارها، فقد وافقت جميع دول الناتو تقريبا على إنفاق 5% من الناتج المحلي الإجمالي على قواتها المسلحة وبنيتها التحتية الأمنية بحلول عام 2035. ومن المهم بشكل خاص أن ألمانيا، أكبر اقتصاد في أوروبا، قد بنت إجماعا سياسيا قويا لدعم الاستثمارات الكبرى في مؤسستها العسكرية.
ومع سعي الأوروبيين جاهدين لتحمل نصيبهم العادل من عبء الدفاع، من غير المرجح تماما أن يتخلى ترمب عن التحالف عبر الأطلسي، نعم، لقد أبدى أحيانا تفكيرا في سحب الولايات المتحدة من حلف الناتو، كما أن البنتاغون بصدد تقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا بشكل متواضع.
لكن الحرب المستمرة التي تشنها روسيا ضد أوكرانيا، والإشارة العدوانية التي يبعثها هذا الصراع إلى حلف الناتو نفسه، ستجعل انسحاب الولايات المتحدة من أوروبا عملا من أعمال الحماقة الإستراتيجية.
لا تزال هناك حاجة إلى القوات الأمريكية لردع أي عدوان روسي محتمل والدفاع ضده، علاوة على ذلك، توفر القواعد الأمامية في أوروبا للولايات المتحدة منصات لإبراز قوتها العسكرية في أفريقيا والشرق الأوسط وما وراءهما.
وعلى الرغم من أوجه القصور العسكرية التي تعاني منها، فقد أثبتت أوروبا مرارا وتكرارا أنها حليف مخلص وقادر، تعاون الجنود الأوروبيون والأمريكيون لإحلال السلام في البلقان في التسعينيات.
وبعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، قاتل الجنود الأوروبيون جنبا إلى جنب مع نظرائهم الأمريكيين في أفغانستان، ولعب حلف الناتو دورا في الحملة التي قادتها الولايات المتحدة لمكافحة تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش). وبفضل العمل الجماعي عبر المحيط الأطلسي، نجت أوكرانيا من الهجوم الروسي المستمر.
ونظرا لسجلها الحافل، يحظى حلف الناتو بالدعم القوي من كلا الحزبين الذي تستحقه، سواء في الكونغرس أو بين الرأي العام الأمريكي.
كما أن ازدهار التجارة والاستثمار والسياحة عبر المحيط الأطلسي يعزز هذه الروابط، وخلال أشهر الصيف المزدحمة هذه، يجوب المحيط الأطلسي أكثر من 1000 رحلة جوية يوميا.
وتمنح شبكة الروابط الإستراتيجية والسياسية والاقتصادية والمجتمعية هذه ترمب كل الأسباب للحفاظ على حلف الناتو حيا وقويا.
خلاصة القول هي أن الولايات المتحدة لا تزال بحاجة إلى أوروبا، وأوروبا لا تزال بحاجة إلى الولايات المتحدة، وهذه الحقيقة لن تتغير في أي وقت قريب
الإستراتيجية الأفضل مع ترمب
وبالتالي، فإن لدى أوروبا أسبابا وجيهة للاعتقاد بأن الروابط عبر الأطلسي ستدوم لفترة أطول بكثير من فترة رئاسة ترمب، ولذلك، فإن أفضل إستراتيجية لها هي إدارة العلاقة معه والعمل معه، لا مواجهته والانفصال عنه.
علاوة على ذلك، تحتاج أوروبا إلى الاستثمار في قدراتها العسكرية بغض النظر عن مسار السياسة الأمريكية، في أفضل الأحوال، ستتعزز الروابط عبر الأطلسي لأن الولايات المتحدة ستجد في أوروبا شريكا أكثر كفاءة.
اقرأ أيضا: «كهرباء دبي» تختتم الدورة الـ17 من برنامج «مهندس المستقبل»
وفي أسوأ الأحوال، ستنسحب الولايات المتحدة من أوروبا، لكن أوروبا ستكون أكثر استعدادا لتحمل مسؤولية دفاعها بنفسها.
وبينما يدرس الأوروبيون خياراتهم، عليهم أيضا أن يكونوا واقعيين بشأن استمرار اعتمادهم على القوة العسكرية الأمريكية، إذ إن الزيادات في الإنفاق الدفاعي التي التزم بها الأوروبيون مثيرة للإعجاب، لكن الأمر سيستغرق عقدا من الزمن، إن لم يكن أكثر، حتى تسد النفقات الجديدة الثغرات الكبيرة في القدرات العسكرية.
وفي غضون ذلك، ستظل أوروبا بحاجة إلى القوى البشرية والقوة النارية والقدرات الجوية والاستخبارات الأمريكية.
تمتلك بريطانيا وفرنسا أسلحة نووية بالفعل، وقد طرحت باريس فكرة “الردع الأمامي”، أي توسيع المظلة النووية الفرنسية لتشمل جيرانها.
لكن الترسانات البريطانية والفرنسية صغيرة ومحدودة القدرات، فهي لا تتمتع بالقوة الرادعة التي توفرها المظلة النووية الأمريكية، ولا سيما في خضم الحرب في أوكرانيا والتهديد الذي تشكله روسيا على الدول الواقعة على الجناح الشرقي لحلف الناتو، لا تستطيع أوروبا ببساطة تحمل عواقب الانفصال الإستراتيجي عن الولايات المتحدة.
كما أن العجز الإستراتيجي لأوروبا ذو طبيعة سياسية أيضا، فالأوروبيون لا يحتاجون فقط إلى مزيد من القوة العسكرية، بل أيضا إلى الإرادة السياسية لتجميع القوة التي يمتلكونها.
إنهم بحاجة إلى تجميع السيادة وكذلك الموارد الدفاعية، ومنح الاتحاد الأوروبي سلطة الإشراف على شراء الأسلحة، وتقسيم المسؤوليات الدفاعية بين الدول الأعضاء، والسياسة الأمنية الشاملة.
ومع ذلك، عندما يتعلق الأمر بمسائل الحرب والسلام، تتردد الدول الأعضاء في التخلي عن سيادتها.
وبالفعل، فإن القوة المتنامية للأحزاب الشعبوية والقومية العرقية تغذي القوى المعادية للاتحاد الأوروبي، مما يجعل نقل السلطة بشأن السياسة الأمنية من العواصم الوطنية إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي في بروكسل أمرا أكثر صعوبة.
وفي غياب وحدة سياسية أكبر -وهو أمر غير قابل للتحقيق في الوقت الحالي- ستستمر أوروبا في عدم استغلال إمكاناتها بالشكل المطلوب. وتبدو الدعوات الحماسية إلى “الاستقلالية الإستراتيجية” لأوروبا جيدة، لكن ذلك لا يحدث.
خلاصة القول هي أن الولايات المتحدة لا تزال بحاجة إلى أوروبا، وأوروبا لا تزال بحاجة إلى الولايات المتحدة، وهذه الحقيقة لن تتغير في أي وقت قريب.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
اقرأ أيضا: بن بوعلي يودّع غيور: “أتيت مصابًا ورحلت بطلًا ولاعبًا في كأس العالم”
