ماذا فعلت «هيا»، طالبة الطب التي اشتهرت بفتاة «مول أربيلا»، وزادت شهرتها بفعلها الإنساني، والذي بالطبع لن ينحصر في أنها لملمت خصلات شعرها، وخاضت غمار المشاركة في مساعدة المصابين والضحايا لحين وصول الإسعاف؟.. ماذا فعلت لتنال كل هذا التقدير والاحتفاء؟ هل للإنسانية ثمن، هل للإيجابية مقابل، وهل كان بوسع أحد أن يفعل غير ما فعلته «هيا»؟
اقرأ أيضا: سلاح المقاومة.. ذريعة الحرب وبقاء الاحتلال
هذه الأسئلة هي الموجة الثانية حول الفتاة، بعد موجة الاحتفاء المبالغ فيه. بدأت موجة الانتقاد المبالغ فيه، وكما أن الأولى تمت بتسارع تلبية لـ«ترند» يشغل الرأي العام، فإن الثانية تمت بتسارع أكبر بمجرد ظهور الفتاة واكتشاف أنها طالبة بكلية الطب، بل إنه في الموجة الثانية طال الانتقاد مظهرها، وأعاد للأذهان ترند طالبة طب أخرى، شاركت عمرو دياب في كليب «لولا البنات»، ومرت أيضاً بالموجتين؛ احتفاءٌ يعقبه انتقاد، دون مبرر للحالتين.
لكن «هيا» تستحق الاحتفاء بالفعل، لأسباب لخصها وزير التعليم العالي خلال تكريمه لها في أنها امتلكت ثباتاً انفعالياً، لم تخف، تحركت بسرعة تليق بحجم الحادث، كان يمكن أن يغلب خوفها جرأتها، وأن تنهار باكية، أو تنزوي مرتعشة، كغيرها من البنات في لحظات الخطر، لكنها لم تفعل، والأهم في كل ما قاله الوزير، أنه في حوادث مشابهة ينصرف الناس للتصوير، أكثر مما ينصرفون لتقديم الدعم والمساعدة، كلٌ بما يستطيع.. ولهذا يتم تكريمها، ولهذا يرفع لها المجتمع القبعة، ليس لإنسانيتها التي يفرضها دورها، لكن لأنها اختلفت عن السياق السائد بين الشباب، إلا من رحم ربي.
كلمات وزير التعليم العالي لم تكن لتبرر التكريم، لكنها تزيح غشاوة الانتقاد عن عيون تعميها اتجاهات «الترند»، هذه بطلة حتى يأتي صوت ينتقص من البطولة، فيمزق المجتمع التاج الذي وضعه على رأسها، ويسحب منها الألقاب قبل أن ينال منها كل بقدر، كانت أقذر محاولات النيل تلك التي دارت حول ملابسها، في صورة لم تختلف كثيراً عما لاقته «لوجين» طالبة الطب في سياق، وفتاة الكليب في سياق آخر.. صحيح أن موقفاً مشابهاً حدث على متن طائرة مصر للطيران القادمة من لندن إلى القاهرة، قبل قرابة شهر، حين تصادف وجود الطبيبة مروة صلاح على متن الطائرة أثناء تعرض راكب لغيبوبة سكر، واستطاعت الطبيبة إنقاذ الموقف وإسعاف المريض دون هبوط اضطراري للطائرة، قبل أن تستقبله على الممر سيارة إسعاف تكمل اللازم لحالته، حينها انتشرت القصة الإيجابية، وتم تكريم الطبيبة في أكثر من سياق، لكنها لم تقابل الحالة نفسها التي لاقتها «لوجين» أو «هيا»، ربما لأنها طبيبة ممارسة وليست طالبة، ربما لأن الواقعة لم تصور حينها، فلم تأت الفرصة لهواة الموجة الثانية للتعليق على مظهرها والتقليل منها بحسب ما ترتدي من ملابس وما تتخفف منه، ربما لأن مجتمعنا لا يزال أسيراً لـ«مالقوش في الورد عيب».. الاحتمالات كثيرة، وكلها قائمة بدرجة القوة نفسها.
والحقيقة.. لا يعلم أحد على وجه الدقة ما المطلوب، هل نهيل التراب على البنات، نعود لوأدهن؟.. ما قابلته «لوجين» وبعدها «هيا»، وقبلهما وبعدهما عشرات أخريات، ليس مهماً الاسم في الحقيقة، الأهم النوع، ما تقابله البنات في هذا البلد يحتاج لوقفة وتحليل من خبراء علم الاجتماع، أهو التحقق والقدرة على التحدي وإثبات الذات والثقة في النفس؟ – وكلها أمور محمودة وموجودة في غالبية الجيل، شباباً وفتيات – وهو ما يؤلم البعض إلى هذا الحد، أم أنها مشاعر الفشل التي تغلف تعليقات الكارهين والمحبطين وتدفعهم للنيل من كل جميل في هذا البلد؟
نحن لا نعلم عن البنات سوى قوله صلى الله عليه وسلم، المرويّ على لسان عقبة بن عامر رضي الله عنه: «لا تكرهوا البنات، فإنهن المؤنسات الغاليات»، تعبيراً عن تكريم الإسلام للمرأة منذ تكون طفلة، وحين تصير فتاة وشابة، ثم امرأة، على عكس ما يدّعيه غلاظ القلب مزوّرو الدين، ولا نعلم عن البنات سوى ما تم في العشر سنوات الأخيرة من تكريم بالقانون، وتمكين بالإمكانيات والقدرات، وحرية تليق بمصريات عظيمات رفعن اسم مصر غير مرة، وأثبتن أنهن على قدر الثقة التي منحتها لهن الدولة والقيادة السياسية.
وأخيراً، نحن لا نعلم عن البنات سوى ما غنّاه الفلكلور المصري، وأعيد على لسان الهضبة، من أنه «الدنيا صعبة من غير بنات.. والبيت ينوّر بست البنات».
اقرأ أيضا: بـ23 مليار دولار.. البنتاجون يبرم صفقة تاريخية مع «رايثيون» لإنتاج توماهوك
