في كل مرة تقترب فيها الحرب من نهايتها، يظهر سؤال السلاح من جديد. وفي كل مرة يبدو فيها أن طريقاً سياسياً فُتح نحو وقف إطلاق النار، يتحول السلاح إلى الشرط الأول الذي يجب تنفيذه قبل أن تبدأ إسرائيل في تنفيذ أي التزام مقابل.
وهنا لا يعود السؤال متعلقاً بالسلاح وحده، وإنما بما إذا كان نزع السلاح هو الطريق إلى إنهاء الحرب، أم أن استمرار الحرب يحتاج إلى بقاء السلاح ذريعة لتأجيل نهايتها.
المشهد في قطاع غزة يقدم اختباراً واضحاً لهذه المعضلة. فخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب تتضمن مساراً لنزع سلاح حركة حماس بالتوازي مع انسحاب إسرائيلي تدريجي وترتيبات أمنية وسياسية جديدة. لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتمسك بعدم الانسحاب قبل نزع سلاح «حماس» والفصائل المسلحة بالكامل، بينما تشترط «حماس» تنفيذ الالتزامات بصورة متزامنة، بحيث لا تتحول موافقتها على نزع السلاح إلى تنازل منفرد يسبق الانسحاب الإسرائيلي.
المفارقة هنا ليست في أن إسرائيل تريد ضمانات لأمنها؛ فهذا مطلب يمكن فهمه في أي تسوية تنهي حرباً طويلة، المشكلة الحقيقية تكمن في ترتيب الشروط. فإذا كان الاتفاق يقوم على نزع السلاح والانسحاب في مسار متدرج ومتزامن، فإن تحويل نزع السلاح إلى شرط سابق على أي انسحاب يغير طبيعة الصفقة كلها؛ إذ يصبح الطرف الفلسطيني مطالباً بتقديم التنازل الأكثر جوهرية أولاً، بينما يتحول الانسحاب الإسرائيلي إلى التزام مؤجل إلى أن تقرر إسرائيل أن شروطها الأمنية قد تحققت.
وهذه ليست مسألة فلسطينية فقط، ففي لبنان يتكرر المنطق نفسه. فالمفاوضات الإسرائيلية اللبنانية التي ترعاها «واشنطن» تربط الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من الجنوب بنزع سلاح «حزب الله» والتحقق منه. وبعد جولات روما، تركز النقاش على «المناطق التجريبية» و«آليات التحقق» والدول التي يمكن أن تشارك فيها، بينما بقيت قضية الانسحاب الإسرائيلي التالي دون حسم واضح. والأهم أن إسرائيل أعلنت أن انسحابها مرتبط بنزع سلاح «حزب الله»، في حين يرفض الحزب مناقشة سلاحه قبل الانسحاب الإسرائيلي، لتصبح المفاوضات عالقة بين شرطين متقابلين.
وهنا يظهر السؤال الأصعب: ماذا بعد نزع السلاح؟ إذا نزعت «حماس» سلاحها، هل تنسحب إسرائيل بالكامل من قطاع غزة؟ وإذا جرى نزع سلاح «حزب الله»، هل تنسحب إسرائيل بالكامل من الجنوب اللبناني؟ ومن يحدد اكتمال عملية نزع السلاح؟ ومن يضمن أن يتحول هذا التنازل إلى انسحاب فعلي، لا إلى شروط أمنية جديدة؟ هذه الأسئلة ليست ترفاً تفاوضياً، لأنها تتعلق بجوهر أي تسوية. فإذا كان نزع السلاح جزءاً من صفقة لإنهاء الحرب، فيجب أن تكون النتيجة المقابلة واضحة ومحددة ومضمونة. أما إذا زال السلاح وبقي الاحتلال، فإن العلاقة المنطقية بين الأمرين تنهار، ويتضح أن السلاح لم يكن سوى أحد شروط المعادلة، وليس جوهر المشكلة.
اقرأ أيضا: بـ23 مليار دولار.. البنتاجون يبرم صفقة تاريخية مع «رايثيون» لإنتاج توماهوك
من هنا، فإن مسئولية «واشنطن» لا تقتصر على إقناع المقاومة بالتخلي عن سلاحها، وإنما تمتد إلى ضمان أن يكون الانسحاب جزءاً أساسياً من الصفقة وليس مكافأة لاحقة. فالمعادلة الأكثر قابلية للاستمرار ليست «السلاح أولاً ثم الانسحاب إذا اطمأنت إسرائيل»، وإنما نزع السلاح والانسحاب ضمن مسار متزامن، بجدول زمني واضح، وآلية تحقق مستقلة، وضمانات دولية تمنع أي طرف من إعادة تفسير التزاماته بعد تنفيذ الطرف الآخر لالتزاماته، وهنا تبرز ضرورة الفصل بين حق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في مقاومة الاحتلال، وبين طبيعة التنظيمات المسلحة التي تمارس هذه المقاومة وأجنداتها وعلاقاتها الإقليمية. فمن الممكن أن يختلف اللبناني مع «حزب الله»، وأن يطالب باحتكار الدولة وحدها للسلاح، دون أن يعني ذلك قبول استمرار الاحتلال الإسرائيلي. ويمكن للفلسطيني أن ينتقد أداء «حماس» ويطالب بإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وترتيبات أمنية جديدة، دون أن يعني ذلك منح إسرائيل حق البقاء في أرض محتلة إلى أجل غير محدد.
هذه التفرقة ضرورية حتى لا يتحول الخلاف الداخلي حول المقاومة إلى غطاء سياسي لاستمرار الاحتلال الخارجي. فحق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في مقاومة الاحتلال لا يسقط لمجرد الاختلاف حول تنظيمات المقاومة أو سلاحها.
فإذا كان المطلوب نزع سلاح المقاومة تمهيداً للسلام، فعلى إسرائيل أن تقدم في المقابل التزاماً واضحاً بإنهاء الاحتلال والانسحاب، لا أن تطلب من الشعوب التخلي عن آخر أوراق القوة بينما تظل الأرض تحت الاحتلال.
فالمقاومة ليست هي المشكلة التي تبرر استمرار الاحتلال؛ الاحتلال هو سبب وجود المقاومة. ومن ثم، فإن السلام الحقيقي لا يبدأ بإسقاط حق الشعوب في مقاومة احتلالها، وإنما بإنهاء الاحتلال الذي جعل المقاومة ضرورة، وبناء ترتيبات سياسية وأمنية تضمن ألا يعود السلاح ذريعة لحرب جديدة، ولا الاحتلال ذريعة لمقاومة جديدة.
اقرأ أيضا: الكونغو: تفشي فيروس إيبولا هو الأكثر فتكا في تاريخ البلاد
