
تكشف أوضاع البحارة على متن حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس أبراهام لينكولن” جانبا من الكلفة النفسية والإنسانية للمهام العسكرية الممتدة، بعدما أمضت السفينة أكثر من 260 يوما متواصلا في البحر، في ظل تأجيل موعد عودتها إلى الوطن بسبب الحرب الممتدة مع إيران.
اقرأ أيضا: رئيس إيران السابق يوجه رسالة بشأن المفاوضات بين طهران وواشنطن
وفي مقال نشرته صحيفة “واشنطن بوست”، يرى الكاتب والمعلق الأمريكي تيودر جونسون أن تجربة البحارة توضح كيف يتحول طول المهمة وعدم اليقين بشأن نهايتها إلى عبء نفسي متزايد، خصوصا عندما تتعطل وسائل الراحة الأساسية وتتكرر إعادة جدولة مواعيد العودة.
وبحسب جونسون، يكتشف البحارة وهم في عرض البحر أن ربط مهمتهم بتاريخ محدد لانتهائها يمثل استراتيجية خاسرة، لأن العودة إلى الوطن تبدو دائماً بعيدة المنال.
ولذلك، تصبح الطريقة الأمثل لتمييز مرور الوقت هي التركيز على معالم قصيرة الأجل، مثل استلام البريد أو زيارة الميناء التالي، رغم أن الأيام في عرض البحر طويلة، واجتياز كل يوم منها يتحول عادة إلى كفاح مستمر.
وتتجسد هذه المعاناة بوضوح في وضع “لينكولن”، التي كان من المفترض أن يعود طاقمها، البالغ نحو 5 آلاف فرد، إلى ديارهم قبل عدة أسابيع، قبل أن تؤدي الحرب الممتدة مع إيران إلى تمديد فترة انتشارها. وعلى مدى أشهر، أعرب أفراد من عائلات البحارة عن قلق بالغ على سلامتهم وعلى حالة السفينة، ونشروا قصصا عن أعطال في الأنظمة ونقص في الإمدادات ومعاناة البحارة من إرهاق شديد.
أعطال وإرهاق وضغوط متزايدة
وثق النائب الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا مايك ليفين، الذي يمثل الدائرة الانتخابية المجاورة لميناء “لينكولن” في سان دييغو، هذه المشكلات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مشيرا إلى “حمامات متعفنة ومراحيض معطلة وغسيل الملابس معطل لأسابيع وفترات طويلة بدون ماء ساخن ووجبة طعام تقتصر على نصف كوب من الأرز المحمص وقطعتين من التورتة”.
وفي المقابل، وصف وزير الحرب هيغسيث التقارير الأولية بأنها أخبار كاذبة، فيما أشار الرئيس دونالد ترامب إلى أن فترة الانتشار لم تكن كافية على الإطلاق. وفي الأسبوع الماضي، وردت أنباء عن محاولة بحارين على الأقل القفز من السفينة.
ويعود جونسون إلى تجربته الشخصية في البحرية، التي امتدت لمسيرة مهنية استمرت عقدين، بينها سنوات من الخدمة في البحر، موضحاً أنه كان يضبط إيقاع يومه وفق الطعام والنوم، وجبة تلو الأخرى، فكل وجبة وكل استيقاظ كان بمثابة دقة في الساعة، وكان هذا الروتين الصغير بمثابة ضمانة بأن الأمور تسير وفق الجدول الزمني، لكن مع تمدد المهام وتراجع فرص الطعام والاستحمام والنوم، وإلغاء البريد وزيارات الموانئ، وإعادة جدولة مواعيد العودة إلى الوطن مرارا وتكرارا، يتوقف الوقت على ما يبدو، وهو ما يجعل الحياة في عرض المحيط صعبة ولا تطاق.
اظهار أخبار متعلقة
ومن هنا، يقول جونسون إن التجربة تعلم أن فترات الراحة من الروتين والاستثناءات من القواعد ترفع معنويات الطاقم، ولا سيما عندما تتشابه الأيام. فزيارات البريد تمنح البحارة لمسة من الوطن، بينما تضيف زيارات السباحة في المحيط المفتوح جانباً من الترفيه.
فسحة قصيرة وسط حياة قاسية
عندما لا تكون السفينة في حالة حرب، تكون أيام الأحد في البحر في الغالب أكثر راحة، وقد يتضمن اليوم حفلة شواء على سطح السفينة أو نزهة بحرية على متنها. وبعد أن يقضي الطاقم 45 يوماً دون ميناء، تسمح لوائح البحرية بيوم مخصص لشرب البيرة للبحارة، وهي استراحة مرحب بها يأمل معظم الموجودين على متن السفينة ألا يكونوا مؤهلين لها أبدا.
وأشار الكاتب إلى أنه لا يتوقع أحد أن توفر عمليات الانتشار وسائل الراحة المنزلية، فالمهمة والثقافة، وبخاصة في زمن الحرب، تتطلبان تحمل المشقة. ومع ذلك، يؤكد جونسون أن هناك حداً لما يمكن أن تكون عليه هذه المشقة.
ولخص أحد الضباط على متن حاملة الطائرات “لينكولن” الوضع بقوله: “في الواقع، لم يتطوع أحد لهذا، ومع ذلك ها نحن هنا، ما زلنا نقوم به بأمان ونجاح”، غير أن الجزء الأصعب من العمليات المتواصلة والوقت الطويل في البحر لا يحدث بالضرورة داخل السفينة، بل يمتد إلى ما هو أبعد منها، فالارتباط بالوطن يبقي البحار متجذرا، لكن البعد عنه يمكن أن يخلق ضغطاً يضاف إلى التوترات التي يواجهها البحارة بالفعل.
ويستحضر جونسون في هذا السياق تجربته الشخصية، إذ شُخصت والدته بالسرطان قبل شهرين من أول مهمة له.
ورغم كفاحه للحفاظ على تركيزه، كان قلبه معها وهي تخوض معركة العلاج الكيميائي والإشعاعي على بعد آلاف الأميال، وبعد أقل من عامين، وُلد ابنه خلال مهمة ثانية، وشعر وكأنه أب غائب عن حياته لعدة أشهر. وما شجعه على المضي قدماً آنذاك كان معرفته بالمواعيد التي ستتيح له رؤية أمه وزوجته وابنه للمرة الأولى.
اقرأ أيضا: 6 جوائز دولية للتميز التمريضي لمدينة الملك سعود الطبية الجامعية
الإرهاق وتأثيره في السلامة
وفق الكاتب، تشير الأدلة النفسية إلى أن أثر هذه الظروف موثق جيدا، إذ فصل علماء النفس كيفية تقويض بعض الظروف للصحة النفسية وجودة عمل البحارة.
وتشمل عوامل الخطر ساعات العمل الطويلة والشاقة، وانعدام الاستقلالية، وفترات الانتشار الطويلة، إلى جانب عدم اليقين بشأن الجداول الزمنية.
وكان من أكثر الضغوطات إشكالية عدم القدرة على الراحة وعدم كفاية عدد الأفراد اللازمين لتنفيذ المهمة. وفي عام 2017، وقع حادثا تصادم بين مدمرتين تابعتين للبحرية الأمريكية وسفن تجارية في المحيط الهادئ، أسفرا عن وفاة 17 بحارا، ونُسب الحادثان إلى عدة عوامل، من بينها نقص الأفراد والحرمان من النوم.
اظهار أخبار متعلقة
وكان قائد سفينة جونسون قد أدرك خطورة هذا الأمر، فكان يذكر بحارته، خلال العمليات عالية السرعة، بأن “النوم سلاح”، وأن عدم الحصول عليه يعرض الجميع للخطر.
وأقرت البحرية بأن ضغط المهام وعدم اليقين يعنيان أن بحارة حاملة الطائرات “لينكولن” وصلوا إلى أقصى حدود طاقتهم، مشيرة إلى توفر خدمات الدعم النفسي والاجتماعي للطاقم وعائلاتهم.
لكن، كما يرى جونسون، عندما يتناول البحار طعاما قديماً بملابس متسخة، بعد مناوبة استمرت 12 ساعة مع ثلاث ساعات نوم فقط، وفي أماكن ضيقة لا تعمل فيها الحمامات، فقد يبدو الحديث مع ضابط آخر آخر ما يحتاج إليه، فضلا عن ذلك، فإن وجود موعد للعودة إلى الوطن يمكن أن يخفف من وطأة هذه الظروف.
اقرأ أيضا: إعلان ترتيبات قبول مرضى السرطان.. والتجسير لذوي الإعاقة للعام الجامعي 2026-2027
