الـDark Web سلاح الإرهابيين لنشر التطرف وإشاعة الجريمة.. المتهم بجريمة 15 مايو يسير على خطى الجماعة الإرهابية عبر الإنترنت المظلم.. شراء السلاح من الأسواق السرية.. والتطرف يتحول من أفكار لجرائم على أرض الواقع

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

كشفت كواليس مذبحة 15 مايو المروعة عن مسار أكثر تعقيدًا من مجرد خلاف عائلي انتهى بجريمة قتل، بعدما بدأت التحقيقات في رسم صورة لشخصية المتهم وأفكاره ودوافعه، لتظهر مؤشرات على تبنيه أفكارًا متطرفة وتوظيفه للنصوص الدينية بصورة منحرفة تمنح العنف مبررات لا علاقة لها بجوهر الدين أو قيمه.

اقرأ أيضا: رئيس «العربية لحقوق الإنسان» يفتح ملفات الإجراءات الجنائية والعفو الرئاسى وقانون العقوبات فى حوار لـ«اليوم السابع».. ويؤكد: النجاح المحورى للاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان يكمن فى إرادة الرئيس السيسى

فخلف الجريمة، بحسب ما أظهرته التحقيقات، لم تكن هناك لحظة غضب منفصلة عن سياقها، وإنما تراكم فكري وسلوكي جعل المتهم يتعامل مع الخلاف باعتباره مواجهة تستوجب الانتقام، مستندًا إلى تأويلات خاصة لنصوص دينية، واقتطاعها من سياقها وإعادة توظيفها بما يتفق مع تصوراته وأفكاره العدوانية.

ومع انتقال هذه الأفكار من مرحلة الاقتناع والتبرير إلى مرحلة الفعل، ظهر جانب آخر من القضية لا يقل إثارة للقلق؛ إذ تشير التحقيقات إلى أن المتهم حصل على السلاح الذي استخدمه في تنفيذ الجريمة عبر الإنترنت المظلم «Dark Web»، لتلتقي في واقعة واحدة مسارات تبدو للوهلة الأولى منفصلة: التطرف الفكري من ناحية، والبنية الرقمية الخفية التي يمكن أن تستغل في الوصول إلى أدوات الجريمة من ناحية أخرى.

عندما يمتلك الإرهابي ادوات رقمية

وهنا تطرح قضية 15 مايو سؤالًا يتجاوز حدود الواقعة نفسها: ماذا يحدث عندما يجد شخص يحمل أفكارًا تبرر العنف وسيلة رقمية تمكنه من الوصول إلى أدواته؟ وكيف يمكن أن تتحول التكنولوجيا، التي صُممت في الأساس لتوفير الخصوصية وإخفاء الهوية، إلى مساحة تستغلها شبكات إجرامية أو أفراد في الوصول إلى أسلحة وخدمات غير مشروعة؟

فالـ Dark Web ليس في حد ذاته مساحة إرهابية أو إجرامية، لكنه يمثل جزءًا من بنية الإنترنت يمكن أن تستغلها أنشطة غير قانونية بسبب طبيعة بعض خدماته وقدرتها على إخفاء هوية المستخدمين ومواقع الخدمات. وقد وثقت أجهزة إنفاذ القانون الدولية استخدام أسواق Darknet في تجارة الأسلحة والمخدرات والبيانات المسروقة، إلى جانب استخدام بعض البيئات الرقمية المغلقة في أنشطة مرتبطة بالتطرف العنيف، مثل الدعاية والتجنيد والتحريض.

 

ما هو الدارك ويب

أول نقطة يجب توضيحها عند الحديث عن الـDark Web هي أن المصطلح لا يعني تلقائيًا سوقًا إجراميًا، فالـDark Web يشير إلى جزء من الإنترنت لا تتم فهرسته بالطريقة المعتادة، ويمكن الوصول إلى بعض خدماته باستخدام تقنيات وشبكات مصممة لتعزيز الخصوصية وإخفاء هوية المستخدم أو موقع الخادم، ومن بين هذه التقنيات شبكة Tor وغيرها، وتؤكد  Europol “وكالة الشرطة التابعة للاتحاد الأوروبي” أن هذه الأدوات طُورت أصلًا لأغراض مشروعة تتعلق بالخصوصية وحماية الاتصالات، لكنها يمكن أن يستغلها مجرمون لإخفاء هوياتهم أو مواقع الخدمات التي يستخدمونها، بما في ذلك المنتديات والأسواق المخفية، ومن هنا يأتي الفرق بين الـDark Web وبين ما يسمى Darknet Markets.

فالأول هو بيئة تقنية أوسع، بينما الثانية تشير إلى أسواق رقمية تعمل داخل هذه البيئات وتستخدم في بعض الحالات لبيع منتجات وخدمات غير قانونية، وهذا التفريق مهم جدًا لأن وصف الـDark Web بالكامل بأنه «منصة للجريمة» غير دقيق، المشكلة تكمن في “إساءة استخدام بعض البنى والخدمات الموجودة داخله، تمامًا كما يمكن إساءة استخدام منصات الإنترنت التقليدية في جرائم مختلفة.

كيف دخل السلاح إلى هذه الأسواق؟

تجارة الأسلحة غير المشروعة ليست ظاهرة ولدت مع الإنترنت، إذ كانت شبكات التهريب تعتمد منذ عقود على العلاقات الشخصية والوسطاء والطرق البرية والبحرية والحدودية، لكن الإنترنت أضاف طبقة جديدة إلى هذه العملية، فبدلًا من أن يحتاج الشخص إلى معرفة تاجر سلاح أو وسيط داخل شبكة إجرامية تقليدية، أصبح من الممكن أن توفر بعض الأسواق الرقمية مساحة للقاء بين بائع ومشترٍ لا يعرف أحدهما الآخر في العالم الحقيقي، وتشير Europol إلى أن الأسلحة النارية أصبحت تُتداول عبر منصات الإنترنت، بما في ذلك أسواق Darknet، وأن هذه الأسواق أتاحت في بعض الحالات لأفراد لا يمتلكون علاقات قوية بالجريمة المنظمة الوصول إلى الأسلحة. كما ربطت الوكالة بين التجارة الإلكترونية غير المشروعة وزيادة استخدام خدمات البريد والطرود في نقل الأسلحة ومكوناتها.
وتشير دراسة مؤسسة RAND المتخصصة في تحليل تجارة الأسلحة عبر الـDark Web إلى أن هذه الأسواق يمكن أن تعمل كعامل تمكين لتجارة الأسلحة الموجودة بالفعل في السوق السوداء، كما يمكن أن تخلق قنوات جديدة لانتقال بعض الأسلحة التي كانت في الأصل ضمن السوق القانونية إلى السوق غير المشروعة.
لكن الدراسة نفسها تقدم نقطة مهمة للغاية تمنع المبالغة: حجم تجارة الأسلحة عبر الـDark Web يظل محدودًا مقارنة بحجم تجارة الأسلحة غير المشروعة التقليدية، أي أن الـDark Web ليس البديل الكامل عن شبكات تهريب الأسلحة التقليدية، لكنه يمثل طبقة إضافية تجعل بعض عمليات البيع والتواصل والوصول إلى المشترين أسهل وأكثر اتساعًا جغرافيًا.

اقرأ أيضا: صندوق الاستثمارات العامة يوجه استثماراته إلى 6 منظومات اقتصادية

السلاح هنا لا ينتقل رقميًا.. وهذه هي نقطة الضعف

قد يبدو الحديث عن «شراء سلاح عبر الإنترنت» وكأن العملية كلها تحدث داخل شاشة الكمبيوتر، لكن الحقيقة مختلفة، السلاح جسم مادي، وبالتالي فإن أي عملية بيع إلكترونية لا بد أن تنتهي في مرحلة ما بانتقال مادي للسلاح من مكان إلى آخر، وهنا تظهر أهمية الوسطاء والمسارات اللوجستية، حيث تشير التقارير إلى أن التجارة الإلكترونية للأسلحة غير المشروعة ساهمت في زيادة استخدام خدمات البريد والطرود لنقل الأسلحة ومكوناتها، وهذه النقطة تكشف مفارقة مهمة: التقنية التي تحاول إخفاء هوية البائع والمشتري لا تستطيع أن تلغي وجود العالم المادي، ففي النهاية هناك سلاح، وذخيرة، وحركة مادية، وأجهزة، وأموال، واتصالات، وأحيانًا عمليات تسليم وشحن، كل هذه العناصر يمكن أن تتحول إلى حلقات في سلسلة الأدلة التي تبحث عنها أجهزة التحقيق.

من السلاح إلى الجريمة المنظمة

لا يتوقف الخطر عند إتاحة السلاح أمام فرد يريد ارتكاب جريمة، فالأسواق الرقمية الخفية يمكن أن تعمل كوسيط بين أطراف مختلفة في الاقتصاد الإجرامي، بما في ذلك تاجر يملك السلعة، ومشتري يبحث عنها، ووسيط أو مقدم خدمة، ووسيلة دفع، وقناة اتصال، ووسيلة نقل، وهكذا تتشكل سلسلة يمكن أن تمتد عبر دول متعددة دون أن يلتقي أطرافها وجهًا لوجه، حيث تظل تجارة الأسلحة غير المشروعة في معظم الحالات نشاطًا مرتبطًا بشبكات الجريمة المنظمة، وأن هذه الشبكات تستفيد من الطرق والبنية التحتية التي تستخدمها في أنشطة تهريب أخرى. كما تشير الوكالة إلى أن الأسلحة يمكن أن تكون مصدرًا ثانويًا للدخل لبعض الجماعات الإجرامية، وليس بالضرورة النشاط الأساسي لها، وهنا تكمن خطورة الإنترنت: أنه يستطيع أن يضيف بعدًا عالميًا إلى سوق كان يعتمد في الماضي بدرجة أكبر على العلاقات المحلية والوسطاء.

عندما يلتقي الإجرام بالإرهاب

الخط الأكثر حساسية في هذه القصة يبدأ عندما ننتقل من الجريمة المنظمة إلى الإرهاب والتطرف العنيف، وقد وثقت المؤسسات الدولية أن الجماعات الإرهابية والمجرمين يمكن أن يتحركوا أحيانًا داخل بيئات إجرامية متداخلة، وأن الأسلحة غير المشروعة يمكن أن تصبح عاملًا يساعد الجماعات العنيفة على تنفيذ أهدافها، وتوضح الأمم المتحدة أن الحدود بين بعض أشكال الجريمة المنظمة والجماعات الإرهابية ليست دائمًا واضحة، وأن كلا النوعين من الجماعات قد يتعامل مع الأسلحة بطرق مختلفة، لكن السلاح يظل عنصرًا مهمًا في حماية النفوذ الإجرامي أو تنفيذ الجرائم أو تحقيق أهداف الجماعات الإرهابية.

الجماعات الإرهابية والدارك ويب

فالتحول الأكبر خلال السنوات الأخيرة يتمثل في أن الجماعات المتطرفة والعنيفة أصبحت قادرة على استخدام مجموعة واسعة من البيئات الرقمية للترويج لأفكارها، والتأثير في الأفراد، وتكوين مجتمعات افتراضية، وتبادل المحتوى، والتجنيد، والتحريض على العنف، وفي تقريرها الأحدث عن وضع واتجاهات الإرهاب في أوروبا لعام 2026، حذرت Europol من الدور المتزايد للبيئات الرقمية في التطرف والعنف، مشيرة إلى استخدام منصات ومجتمعات رقمية في الدعاية والتطرف والتجنيد والتخطيط لأعمال عنيفة، وهذا يعني أن «البنية الرقمية للعنف» أصبحت أكبر من مجرد Dark Web، فقد تبدأ رحلة شخص داخل منصة عادية، ثم ينتقل إلى مجتمع مغلق، ثم إلى تطبيق مراسلة، ثم إلى بيئة أكثر سرية، وفي بعض الحالات قد ينتهي به الأمر إلى التواصل مع أطراف مرتبطة بنشاط إجرامي أو متطرف.

اقرأ أيضا: 50 شكوى كل ساعة على شركات التأمين

‫0 تعليق