من تروث إلى وول ستريت.. كيف تحرك منشورات ترمب الأسواق؟ | اقتصاد

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

أثار إطلاق مجموعة ترمب للإعلام والتكنولوجيا خدمة مدفوعة تتيح للمؤسسات المالية الوصول السريع إلى منشورات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب جدلا جديدا، تجاوز تأثير تصريحاته في تحريك أسعار النفط والأسهم والعملات، إلى التساؤل عمن يصل إلى تلك المنشورات أولا، وعما إذا كانت الأفضلية الزمنية في الحصول على المعلومة يمكن أن تتحول إلى أصل مالي يباع ويشترى.

اقرأ أيضا: أحمد سعد لـ اليوم السابع: الألبوم الإلكترو تجربة موسيقية مختلفة بعد “كوتى”

وجاء هذا الجدل بعد إعلان مجموعة ترمب للإعلام والتكنولوجيا إطلاق خدمة مدفوعة تحمل اسم “تروث إيه بي آي” (Truth API)، تتيح للمؤسسات المالية وشركات التداول الوصول الفوري إلى منشورات الرئيس وشخصيات أخرى عبر واجهة برمجية، مقابل رسوم تتراوح بين 60 ألفا و100 ألف دولار شهريا.

اقرأ أيضا

list of 3 itemsend of list

ورغم أن الشركة تؤكد أن الخدمة لا تقدم معلومات غير متاحة للجمهور، فإن منتقدين يرون أن القيمة الحقيقية تكمن في منح المؤسسات الاستثمارية أفضلية زمنية قد تترجم إلى أرباح كبيرة في أسواق تعتمد بصورة متزايدة على التداول الخوارزمي القادر على تنفيذ أوامر البيع والشراء خلال أجزاء من الثانية.

وتزداد حساسية القضية مع سجل طويل من تصريحات ترمب التي أعادت خلال الأشهر الماضية تسعير أصول بمليارات الدولارات، سواء عبر منشورات مرتبطة بالحرب مع إيران، أو الرسوم الجمركية، أو شركات مدرجة، أو قطاعات الطاقة والدفاع، الأمر الذي يطرح تساؤلات بشأن الحدود الفاصلة بين بيع خدمة بيانات وبيع ميزة مالية.

اقتصاد السرعة

لا تتمثل القيمة الاقتصادية للخدمة الجديدة في تقديم معلومات حصرية، بل في تقليص الزمن الفاصل بين نشر المنشور ووصوله إلى أنظمة التداول لدى المؤسسات الاستثمارية.

فمع اعتماد الأسواق بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي وخوارزميات التداول السريع، أصبحت السرعة نفسها موردا اقتصاديا، إذ يمكن لفارق زمني لا يتجاوز ثواني أو أجزاء من الثانية أن يمنح المستثمر فرصة تنفيذ صفقات قبل إعادة تسعير السوق.

ويرى مراسل الأعمال والتكنولوجيا في الإذاعة الوطنية الأمريكية بولي ألين أن الوصول المبكر إلى منشورات ترمب قد يترجم بسهولة إلى عشرات الملايين من الدولارات بالنسبة إلى صناديق التحوط والمؤسسات الاستثمارية.

وتنبع هذه الأهمية من أن ترمب يستخدم منصة “تروث سوشيال” بصورة منتظمة للإعلان عن تطورات تتعلق بالحرب والسياسة الاقتصادية والرسوم الجمركية، وأحيانا للإشارة إلى شركات بعينها، بما يجعل منشوراته جزءا من البيئة المعلوماتية التي تعتمد عليها الأسواق.

معطيات تكشف عن أن الخدمة لا تبيع معلومة سرية بقدر ما تبيع السرعة في الوصول إلى معلومة قادرة على تغيير توقعات المستثمرين خلال لحظات.

FILE PHOTO: A man looks at this phone as a screen displays trading information about shares of Truth Social and Trump Media & Technology Group, outside the Nasdaq Market site in New York City, U.S., March 26, 2024. REUTERS/Brendan McDermid/File Photo
الوصول المبكر إلى منشورات ترمب قد يترجم بسهولة إلى عشرات الملايين من الدولارات بالنسبة إلى صناديق التحوط (رويترز)

النفط أولا

كانت سوق النفط الأكثر حساسية لمنشورات ترمب خلال الأشهر الماضية، إذ تسببت تصريحاته المتعلقة بالحرب مع إيران ومضيق هرمز في تحركات واسعة للأسعار.

ففي مارس/آذار الماضي، تراجعت أسعار النفط بأكثر من 13% خلال جلسة واحدة بعدما أعلن تأجيل ضربات كانت تستهدف منشآت كهرباء وطاقة في إيران، وهو ما خفف مخاوف الأسواق من تعطل الإمدادات.

وتكرر المشهد في أبريل/نيسان عندما انخفض النفط إلى ما دون 100 دولار للبرميل عقب إعلانه الموافقة على وقف إطلاق النار مع إيران لمدة أسبوعين، بالتزامن مع توقعات بإعادة فتح مضيق هرمز واستئناف حركة ناقلات النفط.

وقال مؤسس شركة “ليبو أويل أسوشيتس” أندرو ليبو إن الأسواق أعادت تسعير المخاطر سريعا مع توقع عودة الإمدادات المتراكمة إلى الأسواق العالمية.

واستمرت هذه التحركات خلال مايو/أيار ويونيو/حزيران الماضيين، إذ تراجعت الأسعار مع استمرار وقف إطلاق النار، ثم مع حديث ترمب عن تقدم المفاوضات مع إيران، قبل أن تهبط مجددا بعد إعلانه إلغاء غارة كانت تستهدف إيران.

وتوضح هذه التطورات كيف أصبحت بضع كلمات صادرة عن الرئيس قادرة على تعديل توقعات المستثمرين بشأن العرض العالمي والمخاطر الجيوسياسية خلال دقائق.

FILE PHOTO: A pumpjack, used to help lift oil from a well, in the Permian basin near Midland, Texas, U.S., October 8, 2025. REUTERS/Arathy Somasekhar/File Photo
سوق النفط الأكثر حساسية لمنشورات ترمب خلال الأشهر الماضية (رويترز)

تأثير الأسواق

لم يقتصر تأثير منشورات ترمب على أسواق الطاقة، بل امتد إلى قطاعات وشركات مدرجة في وول ستريت.

فقد تراجع سهم شركة إنفاز إنرجي بنحو 4.2% بعد منشور هاجم فيه مشاريع طاقة الرياح والطاقة الشمسية، كما انخفضت أسهم شركات دفاع، بينها لوكهيد مارتن ونورثروب غرومان، عقب انتقاده سياسات إعادة شراء الأسهم وتوزيع الأرباح لدى شركات الصناعات العسكرية.

وفي المقابل، دفعت تصريحاته بشأن احتمال إنهاء الحرب مع إيران مؤشرات الأسهم الأمريكية إلى تحقيق أفضل أداء يومي منذ اندلاع الحرب، إذ ارتفع مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” بنحو 1.1%، بينما صعد كل من داو جونز وناسداك بنحو 1.4%.

كما ارتفع سهم بالانتير لفترة وجيزة بعدما أشاد ترمب بالشركة عبر “تروث سوشيال” وذكر رمز سهمها بصورة مباشرة، في حين استفاد سهم إنتل من منشورات مماثلة.

وامتد التأثير أيضا إلى العملات، إذ تعرض الدولار الكندي لضغوط بعد تهديداته بفرض رسوم جمركية أعلى على كندا، بينما تراجعت أسهم شركات الطاقة النووية عقب تصريحاته المتعلقة بالاتفاق النووي مع السعودية.

وتعكس هذه الأمثلة اتساع نطاق تأثير المنشورات الرئاسية، بحيث لم تعد تقتصر على السياسة أو الاقتصاد الكلي، وإنما أصبحت عاملا مباشرا في إعادة تسعير شركات وقطاعات كاملة.

NEW YORK, NEW YORK - AUGUST 06: Traders work on the New York Stock Exchange (NYSE) on August 06, 2026 in New York City. The Dow was down slightly in morning trading as investors continue to watch events in Iran and their effects on global markets. Spencer Platt/Getty Images/AFP (Photo by SPENCER PLATT / GETTY IMAGES NORTH AMERICA / Getty Images via AFP)
تصريحات ترمب بشأن احتمال إنهاء الحرب مع إيران دفعت أسهم أمريكية لتحقيق أفضل أداء يومي منذ اندلاع الحرب (الفرنسية)

تضارب المصالح

أعاد إطلاق الخدمة أيضا تسليط الضوء على المصالح التجارية المتنامية لعائلة ترمب، لا سيما في قطاع العملات المشفرة.

وأشار تحليل نشرته رويترز إلى وجود علاقة محتملة بين بعض منشورات ترمب على “تروث سوشيال” وتحركات أصول رقمية مرتبطة به، بعدما استخدم حساباته للترويج لعملات تحمل اسمه، ارتفعت إحداها إلى مستوى قياسي قبل أن تفقد نحو 80% من قيمتها لاحقا.

ويمنح ذلك الجدل بعدا إضافيا، إذ لا يتعلق الأمر فقط بتأثير رئيس الولايات المتحدة في الأسواق، وإنما أيضا بإمكانية تأثير منشوراته في أصول ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بمصالحه التجارية.

وتزداد التساؤلات حول تضارب المصالح بعد أن أظهر إفصاحه المالي تحقيق نحو 1.4 مليار دولار من أنشطة مرتبطة بالأصول الرقمية خلال عام 2025، وفقا لتحليل نشرته صحيفة غارديان، بينما حققت شركة “سي آي سي ديجيتال إل إل سي” أكثر من 600 مليون دولار من مبيعات أصول رقمية مرتبطة باسمه، إضافة إلى أكثر من 500 مليون دولار من شركة وورلد ليبرتي فايننشال.

The logo for social media platform Truth Social, an American company owned by Trump Media & Technology Group, is shown on mobile devices. (Photo by Mike Campbell/NurPhoto)
رويترز تشير إلى وجود علاقة محتملة بين بعض منشورات ترمب على تروث سوشيال وتحركات أصول رقمية مرتبطة به (غيتي)

جدل تنظيمي

دفعت الخدمة الجديدة عددا من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي إلى مطالبة الجهات التنظيمية بدراسة مدى توافقها مع قوانين الأوراق المالية.

وقال السيناتور ريتشارد بلومنتال إن منشورات الرئيس بشأن الحرب والسياسات الحكومية تؤثر مباشرة في الأسواق، منتقدا بيع الوصول التفضيلي إليها.

اقرأ أيضا: فيلم خوفو يحصل على الفهد الفضى فى مهرجان لوكارنو

كما دعا كل من إليزابيث وارين وآدم شيف هيئة الأوراق المالية والبورصات والجهات التنظيمية الفدرالية إلى فحص الخدمة، معتبرين أنها تثير مخاوف تتعلق باستغلال المنصب الرئاسي لتحقيق منفعة مالية.

وترى إيرين ألدريدج، رئيسة شركة إيبل ألفا تريدينغ، أن الإشكالية لا تكمن في مضمون المنشورات، بل في منح مجموعة محددة من العملاء وصولا أسرع إليها، بينما تعتبر رينيه جونز، الأستاذة في كلية بوسطن والمسؤولة السابقة في هيئة الأوراق المالية والبورصات، أن طبيعة الخدمة تثير تساؤلات بشأن قواعد التداول بناء على المعلومات الداخلية.

في المقابل، ترفض مجموعة ترمب للإعلام والتكنولوجيا هذه الانتقادات، إذ أشارت المتحدثة باسمها شانون ديفاين إلى أن الخدمة لا تقدم معلومات سرية أو غير متاحة للجمهور، وإنما توفر للعملاء أسرع وسيلة تقنية لاستيراد البيانات المنشورة بالفعل على “تروث سوشيال”.

خدمة تروث الجديدة دفعت أعضاء من مجلس الشيوخ للمطالبة بدراسة مدى توافقها مع قوانين الأوراق المالية
خدمة تروث الجديدة دفعت أعضاء من مجلس الشيوخ للمطالبة بدراسة مدى توافقها مع قوانين الأوراق المالية (شترستوك)

أفضلية مالية

تعكس خدمة “تروث إيه بي آي” تحولا أوسع في طبيعة المعلومات داخل الأسواق المالية، إذ لم تعد المنافسة تدور فقط حول امتلاك البيانات، بل حول سرعة الوصول إليها.

ومنذ سنوات تدفع المؤسسات المالية مبالغ كبيرة للحصول على الأخبار والبيانات الاقتصادية وأسعار الأسواق لحظيا، غير أن خصوصية الحالة الحالية تكمن في أن مصدر بعض أكثر المعلومات حساسية هو رئيس الولايات المتحدة نفسه، بينما تعود ملكية المنصة التي ينشر عبرها إلى مجموعة تجارية مرتبطة به.

ليتجاوز الجدل مسألة إذا ما كانت المعلومات عامة أم غير عامة، إلى سؤال آخر يتعلق بإمكانية بيع أفضلية زمنية للوصول إلى تصريحات رئيس قادر على التأثير في الحرب والتجارة والرسوم الجمركية والتنظيم والأسواق.

وقد تبدو هذه الأفضلية محدودة زمنيا، لكن التجربة خلال الأشهر الماضية أظهرت أن منشورا واحدا قد يعيد تسعير النفط أو الأسهم أو العملات خلال دقائق، وهو ما يجعل الثواني ذات قيمة اقتصادية خاصة بالنسبة إلى المؤسسات التي تعتمد على التداول الآلي.

WASHINGTON, DC - JULY 10: The Truth Social logo on the final day of the Great American State Fair on July 10, 2026 in Washington, DC. Launched in February 2022, Truth Social is a social media platform owned by Trump Media & Technology Group, a company majority-owned by U.S. President Donald Trump. (Photo by Al Drago/Getty Images)
مجموعة ترمب للإعلام والتكنولوجيا تتكبد خسارة صافية بلغت 238 مليون دولار خلال الربع الثاني من 2026 (غيتي)

رهان الإيرادات

ويأتي إطلاق خدمة “تروث إيه بي آي” في وقت تواجه فيه مجموعة ترمب للإعلام والتكنولوجيا مفارقة مالية لافتة، إذ تحاول تحويل سرعة الوصول إلى منشورات الرئيس إلى مصدر جديد للإيرادات، بينما تسجل أعمالها خسائر تفوق إيراداتها بفارق كبير.

فقد أظهرت أحدث إفصاحات المجموعة لدى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية تسجيل خسارة صافية بلغت 238 مليون دولار خلال الربع الثاني من 2026، مقابل إيرادات لم تتجاوز 1.7 مليون دولار، رغم ارتفاعها 89% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

وجاء الجزء الأكبر من الخسائر من استثمارات المجموعة، إذ سجلت نحو 190.4 مليون دولار من الخسائر غير المحققة المرتبطة بالأصول الرقمية والأصول الرقمية المرهونة والأوراق المالية، إضافة إلى 11.7 مليون دولار من الفوائد المتراكمة و8.1 ملايين دولار من التعويضات القائمة على الأسهم.

وتكشف تركيبة الإيرادات محدودية النشاط التشغيلي للمجموعة حتى الآن، إذ جاء معظم دخل الربع الثاني من قطاع الإعلام، بينها نحو 1.43 مليون دولار من الإعلانات و179.5 ألف دولار فقط من الاشتراكات.

وبذلك ارتفعت خسائر مجموعة ترمب للإعلام والتكنولوجيا خلال النصف الأول من 2026 إلى 644 مليون دولار، مقابل إيرادات بلغت نحو 2.5 مليون دولار، بينما تراجع سهم الشركة، المدرج في ناسداك تحت رمز “دي جي تي”، بنحو 8% في جلسة إعلان النتائج.

وتضم محفظة المجموعة منصة “تروث سوشيال”، وخدمة البث المرئي “تروث بلس”، والعلامة المالية “تروث دوت فاي”، كما توسعت خلال العام الماضي في العملات المشفرة، قبل دخولها سوق بيانات المؤسسات المالية عبر “تروث إيه بي آي” مطلع أغسطس/آب.

ورغم حداثة الخدمة، فإن الرئيس التنفيذي المؤقت للمجموعة كيفن ماكغورن قال إن 10 شركات اشتركت بالفعل في “تروث إيه بي آي”، وتدفع كل منها ما بين 60 ألفا و100 ألف دولار شهريا، مما يعني أن إيراداتها الشهرية قد تتراوح نظريا بين 600 ألف ومليون دولار إذا كانت جميع الاشتراكات ضمن النطاق المعلن.

اقرأ أيضا: نجاح عملية لاستئصال غدة درقية بوزن 2.5 كيلوغرام امتدت إلى التجويف الصدري

‫0 تعليق