
فقد المشهد الثقافي المغربي والعربي أحد
أبرز وجوهه برحيل الكاتب والشاعر والناقد والأستاذ الجامعي الدكتور محمد السرغيني،
عن مسار حافل امتد لعقود وأسهم خلاله في تشكيل ملامح الشعر المغربي الحديث وتطوير
أدوات قراءته ونقده.
اقرأ أيضا: 1802 اعتداء على الديسي في 2025 .. والمياه تكشف التفاصيل…
وأعلنت وزارة الثقافة المغربية نبأ وفاته،
معربة عن تعازيها لأسرته وللأسرة الثقافية والفنية الوطنية، فيما أعادت وفاته إلى
الواجهة سيرة أحد الأسماء التي ارتبطت بالتجديد الشعري في المغرب منذ جيل
الستينيات، وبالمزاوجة بين التجربة الشعرية والبحث الأكاديمي والانفتاح على التراث
والتيارات الفكرية والفنية الحديثة.
قامة أدبية من فاس
ولد محمد علال السرغيني في مدينة فاس عام
1930، المدينة التي ستظل حاضرة بقوة في تكوينه الثقافي والروحي وفي تجربته الشعرية.
تلقى تعليمه الأول في رحاب جامعة القرويين،
قبل أن ينتقل إلى العراق للدراسة في جامعة بغداد، ثم واصل تكوينه الأكاديمي في
المغرب وفرنسا. وحصل على شهادة في الأدب المقارن من جامعة محمد الخامس بالرباط عام
1963، ثم نال دكتوراه السلك الثالث عام 1970، ودكتوراه الدولة عام 1985.
وبعد مساره العلمي، ارتبط اسمه بكلية الآداب
والعلوم الإنسانية في فاس، حيث اشتغل أستاذا جامعيا وأسهم في تكوين أجيال من
الطلبة والباحثين، كما شغل منصب نائب عميد الكلية خلال سنوات من مسيرته الأكاديمية.
ولم يكن حضوره الجامعي منفصلا عن مشروعه
الأدبي؛ إذ شكلت الجامعة بالنسبة إليه فضاء للبحث والتدريس والتفاعل مع التيارات
النقدية والفكرية الحديثة، فيما ظل الشعر في قلب تجربته المعرفية والإبداعية.
أحد رواد القصيدة المغربية الحديثة
يُصنف السرغيني ضمن أبرز شعراء جيل
الستينيات في المغرب، إلى جانب أسماء مثل أحمد المجاطي ومحمد الخمار الكنوني وعبد
الكريم الطبال وغيرهم من الشعراء الذين ساهموا في نقل القصيدة المغربية من مرحلة
التأسيس الأولى إلى آفاق جديدة من التجريب والحداثة.
ولم تكن حداثة السرغيني مجرد انتقال شكلي من
القصيدة التقليدية إلى قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، وإنما ارتبطت بمشروع شعري
أكثر تعقيدا، يقوم على توسيع علاقة الشعر بالمعرفة والفلسفة والتصوف والتراث
والفنون.
وتشير دراسات تناولت تجربته إلى أنه انفتح
على مصادر متعددة، من الشعر العربي القديم والحديث إلى الشعر الفرنسي والعالمي،
ومن التصوف إلى الفلسفات والتيارات الفكرية والفنية، وهو ما انعكس على لغته
الشعرية وبنيته الرمزية وطريقته في بناء الصورة.
لهذا ارتبط اسمه بما اصطلح عليه بعض
الدارسين بـ “القصيدة العالمة”، أي القصيدة التي لا تكتفي بالتعبير
الوجداني المباشر، وإنما تستند إلى رصيد معرفي واسع وتستدعي التاريخ والفلسفة
والأسطورة والتصوف ومختلف أشكال الثقافة.
شاعر الغموض والتجريب
ومن أبرز سمات تجربة السرغيني الشعرية
الغموض والتكثيف والرمزية. فهو لم يتعامل مع القصيدة باعتبارها نصا ينبغي أن يكون سهل التلقي
بالضرورة، وإنما جعل من القراءة نفسها جزءا من مغامرة النص، وهو ما جعل قصيدته محل
اهتمام نقدي واسع، لكنه جعلها في الوقت ذاته عرضة لقراءات ترى أن الإفراط في الرمز
والغموض قد يضع مسافة بين النص والقارئ.
وقد وصفه نقاد بأنه من أبرز من أسسوا لشعرية
الغموض في القصيدة المغربية، وبأنه شاعر جعل من التجريب المستمر جزءا من هويته
الإبداعية.
وفي حوار معه، قال السرغيني إن الشاعر لا
يختار دائما لحظة الكتابة، وإن عملية الإبداع تتصل بالآخر وبالقراءة وإعادة
الكتابة، وهي رؤية تكشف جانبا من نظرته إلى الشعر بوصفه تجربة مفتوحة وليست مجرد
صناعة لغوية مغلقة.
من القرويين إلى السوربون
تكشف سيرة السرغيني عن تداخل لافت بين
التكوين التقليدي والتكوين الأكاديمي الحديث. فالقرويين مثلت بدايته
الأولى في فضاء معرفي عربي وإسلامي عريق، بينما نقلته دراسته في بغداد والرباط
وباريس إلى فضاءات جامعية مختلفة، وصولا إلى السوربون.
وهذا التعدد في منابع التكوين ساهم في تشكيل
شخصيته الثقافية التي جمعت بين التراث والحداثة، وبين الثقافة العربية والانفتاح
على الآداب الغربية والنظريات النقدية الحديثة.
ولعل هذا ما يفسر الحضور القوي للتراث
الصوفي في تجربته، بالتوازي مع انفتاحه على الفلسفات والتيارات الأدبية والفنية
الحديثة.
فقد كان، بحسب دراسات تناولت تجربته، متأثرا
بالتصوف وبأسماء مثل الحلاج وابن عربي وجلال الدين الرومي وابن سبعين، وفي الوقت
نفسه منفتحا على تيارات فكرية وأدبية وفنية متعددة.
الأستاذ الذي صنع أجيالا
لم تتوقف قيمة السرغيني عند إنتاجه الشعري. وقد ترك أثرا واسعا داخل الجامعة المغربية
من خلال التدريس والتكوين والإشراف الأكاديمي، وكان من الأساتذة الذين تعاملوا مع
الشعر والنقد باعتبارهما جزءا من مشروع ثقافي أوسع.
ووصفه تلامذته بأنه كان يجمع بين صورة
الأستاذ والناقد والشاعر، وأن دروسه كانت تنفتح على مناهج جديدة في قراءة الخطاب
الشعري، بما فيها المقاربات اللسانية والنفسية والسيميائية.
وهذا الجانب مهم في فهم أثره؛ فالسرغيني لم
يكتف بكتابة الشعر، وإنما شارك في بناء البيئة العلمية التي ستظهر فيها أجيال
جديدة من الباحثين والكتاب والنقاد.
وتشير مصادر عن مسيرته إلى أنه عمل أستاذا
مساعدا ثم أستاذا محاضرا وأستاذا للتعليم العالي بكلية الآداب في فاس، قبل أن
يتولى منصب نائب عميد الكلية بين 1968 و1991.
“القصيدة
الثقافية”
من المفاهيم التي ارتبطت بقراءة تجربة
السرغيني ما يمكن تسميته الكتابة الشعرية الثقافية. والنص عنده لا ينفصل عن المعرفة، والشاعر لا
يكتفي باستدعاء تجربته الذاتية، وإنما يدخل في حوار مع تراكمات معرفية وفكرية
ورمزية متعددة.
ولهذا تبدو قصائده، في كثير من قراءاتها
النقدية، محملة بالإحالات والرموز، وتحتاج إلى قارئ يمتلك مفاتيح ثقافية تساعده
على تفكيكها.
وقد وصف نقاد تجربته بأنها تقوم على
“الشعر الأطروحة”، وعلى كتابة تسعى إلى قراءة الأحداث واستجلاء ما هو
مسكوت عنه وفك الأنساق المتحكمة في البنى الذهنية والأسطورية والاجتماعية.
وهكذا لم يكن الشعر بالنسبة إلى السرغيني
ترفا لغويا، بل وسيلة للتفكير في الإنسان والعالم والوجود.
دواوينه.. مسار شعري متحول
ترك السرغيني عددا من المجموعات الشعرية
التي شكلت علامات في مساره، من بينها “ويكون إحراق أسمائه الآتية”
الصادرة عام 1987، و”بحار جبل قاف” عام 1991، و”الكائن السبائي”
عام 1992، و”من فعل هذا بجماجمكم” عام 1994.
وتعكس هذه العناوين نفسها جانبا من طبيعة
عالمه الشعري؛ فهي تنفتح على الأسطورة والرمز والتاريخ والأسئلة الوجودية، ولا
تقدم للقارئ معنى واحدا جاهزا.
وكان السرغيني يرى أن الشعر مجال لإعادة
بناء العلاقة بين اللغة والعالم، وهو ما جعل تجربته تتطور باستمرار، دون أن تستقر
على شكل واحد.
ناقد لا يفصل الشعر عن المعرفة
إلى جانب الشعر، كان السرغيني حاضرا في
النقد والبحث الأدبي، وخصوصا في قراءة الخطاب الشعري.
وقد وصفه باحثون ممن عرفوا دروسه بأنه كان
منفتحا على المناهج النقدية الحديثة، ولا سيما السيميولوجيا والتيارات التي تتيح
تفكيك البنية الداخلية للنص الشعري.
ولذلك يصعب الفصل بين السرغيني الشاعر
والسرغيني الناقد؛ فالمشروعان يبدوان متداخلين، أحدهما ينتج النص، والآخر يبحث في
آليات إنتاجه وتأويله.
اقرأ أيضا: عرض قفلة لـ صدقى صخر وجيهان الشماشرجى بمهرجان filmfest weiterstadt بالمانيا
هذه الثنائية جعلت حضوره مختلفا عن شاعر
يكتب القصيدة فقط، أو أكاديمي يتعامل مع الأدب بوصفه موضوعا بحثيا محضا.
لقد كان السرغيني يكتب الشعر ويقرأ الشعر
ويدرّس الشعر، ولذلك امتدت تجربته من الصفحة إلى المدرج الجامعي وإلى الأجيال التي
تتلمذت عليه.
فاس.. المدينة التي لم تغب
كان من الصعب فصل تجربة السرغيني عن فاس. والمدينة التي ولد فيها شكلت جزءا من ذاكرته
الثقافية، بما تحمله من إرث القرويين والتصوف واللغة العربية والعمق التاريخي.
وفي تجربته، تتجاور فاس التقليدية مع
الحداثة الشعرية، ويبدو التراث الصوفي في حوار دائم مع الأسئلة الحديثة.
ولهذا وصفته بعض الكتابات بأنه “حداثي
في جبة متصوف”، في إشارة إلى ذلك التداخل بين التجديد الشعري والمرجعيات
الصوفية التي طبعت جانبا مهما من تجربته.
ولم تكن هذه العلاقة بالتراث عودة إلى
الماضي بقدر ما كانت محاولة لإعادة توظيفه داخل القصيدة الحديثة.
إرث يتجاوز القصيدة
الرحيل لا يعني بالنسبة إلى السرغيني نهاية
حضور أدبي امتد لأكثر من ستة عقود. فإرثه موزع بين دواوينه، ودراساته، وأبحاثه، ودروسه الجامعية، والكتاب والنقاد
الذين تأثروا به، فضلا عن موقعه في تاريخ الشعر المغربي الحديث.
وقد اعتبرته دراسات أكاديمية من الأصوات
التي أحدثت تحولا في الوعي الشعري المغربي الحديث، من خلال استخدام أدوات معرفية
جديدة في التعامل مع القصيدة وتطوير أساليب وتقنيات الكتابة الشعرية.
كما أن حضوره ضمن جيل الرواد يجعله جزءا من
مرحلة مفصلية في تاريخ الأدب المغربي؛ وهي المرحلة التي انتقلت فيها القصيدة
المغربية من البحث عن تثبيت حضورها إلى بناء مشروع حداثي له خصوصيته وأسئلته.
نعي رسمي وصدمة في الوسط الثقافي
وجاء نعي وزارة الثقافة المغربية ليؤكد
مكانة الراحل، إذ عبر الوزير عن “بالغ الحزن والأسى” لوفاته، ووصفه بأنه
واحد من أبرز القامات الفكرية والأدبية في المغرب والعالم العربي، موجها تعازيه
إلى أسرته وإلى الأسرة الفنية والثقافية الوطنية.
ويأتي النعي الرسمي في لحظة يغيب فيها أحد
أبرز رموز جيل أدبي أسهم في وضع أسس الحداثة الشعرية المغربية.
لكن أهمية السرغيني لا تختصرها بيانات
النعي؛ فالمسار الذي تركه وراءه يجعل رحيله مناسبة لاستعادة أسئلة الشعر المغربي
نفسه: كيف انتقلت القصيدة من التقليد إلى الحداثة؟ وكيف استطاعت أن تجمع بين
التراث والانفتاح على العالم؟ وما حدود العلاقة بين الشعر والمعرفة؟
شاعر يترك وراءه سؤالا مفتوحا
ربما تكون أفضل طريقة لاستعادة تجربة محمد
السرغيني هي ألا ينظر إليه باعتباره مجرد شاعر من جيل الستينيات، وإنما بوصفه
مشروعا ثقافيا متكاملا. فهو ابن فاس والقرويين، والدارس في بغداد والسوربون، والأستاذ الجامعي والناقد،
والشاعر الذي اختار التجريب والغموض والانفتاح على التراث والفلسفة والتصوف.
وعلى مدى عقود، ظل السرغيني وفيا لفكرة أن
الشعر ليس مجرد صياغة جميلة، وإنما معرفة ومغامرة في اللغة والوجود.
وبموته، يفقد المغرب واحدا من آخر الأصوات
المؤسسة في جيل القصيدة الحديثة، لكن نصوصه ودروسه وتلامذته ودوره في الحياة
الأكاديمية والثقافية تجعل حضوره ممتدا إلى ما بعد الرحيل.
رحل محمد السرغيني، لكن القصيدة التي أعاد
فتح أبوابها على التراث والفلسفة والتصوف والحداثة ستظل شاهدة على جيل جعل من
الشعر المغربي جزءا من حركة التجديد العربية الأوسع.
اقرأ أيضا: التونسي نسيم هنيد يصل الأردن تمهيدا للانضمام إلى فريق الرمثا لكرة القدم
