
لم تعد المنافسة في سوق الذكاء الاصطناعي تقتصر على تطوير نماذج تتفوق في الكتابة والبرمجة وتحليل البيانات، بل انتقلت إلى مجال أكثر حساسية يتعلق بالأمن السيبراني، بعدما أصبحت النماذج المتقدمة قادرة على اكتشاف الثغرات البرمجية وتحليلها، وهي قدرات يمكن توظيفها لتعزيز حماية الأنظمة، لكنها قد تتحول في الوقت ذاته إلى أدوات فعالة في أيدي المهاجمين.
اقرأ أيضا: القادسية يحصد 35 ميدالية في بطولة المناطق للكاراتيه
وفي هذا السياق، أعلنت شركة الذكاء الاصطناعي الصينية الناشئة “زد.إيه أي” أن نموذجها مفتوح المصدر “جي إل إم-5.3” حقق نتائج متقدمة في اختبارات متخصصة بالأمن السيبراني، مقتربا من أداء نموذج “ميثوس 5” التابع لشركة “أنثروبيك” الأمريكية.
وتعكس النتائج، بحسب الشركة الصينية، تصاعد المنافسة بين النماذج الصينية والأمريكية في مجال الذكاء الاصطناعي المتخصص، كما تعيد إلى الواجهة الجدل بشأن المخاطر المترتبة على إتاحة نماذج قادرة على اكتشاف الثغرات وتطوير وسائل استغلالها بصورة مفتوحة.
تفوق في اكتشاف الثغرات
وأفادت “زد.إيه أي” بأن نموذج “جي إل إم-5.3” سجل 84.5 بالمئة في اختبار “سايبر جيم”، الذي يقيس قدرة نماذج الذكاء الاصطناعي على فحص التعليمات البرمجية، واكتشاف الثغرات الأمنية والتحقق من صحتها.
وتجاوزت هذه النتيجة بقليل ما حققه نموذج “ميثوس 5″، الذي سجل 83.8 بالمئة في الاختبار نفسه.
لكن الفارق بين النموذجين يظهر بصورة أكبر عند الانتقال من اكتشاف الثغرات إلى استغلالها فعليا، وهي قدرة تعد من أكثر الجوانب حساسية في أبحاث الأمن السيبراني.
ففي اختبار “إكسبلويت بينش”، الذي يقيس قدرة النموذج على تحويل الثغرات المكتشفة إلى هجمات فعالة، سجل “جي إل إم-5.3” نسبة 54.4 بالمئة، مقابل 78 بالمئة لنموذج “ميثوس 5”.
اظهار أخبار متعلقة
كما كشفت الشركة الصينية أن نموذجها تمكن من إنجاز 105 مهام لتطوير الهجمات خلال ساعتين، و130 مهمة خلال ست ساعات. في المقابل، أنجز “ميثوس 5” نحو 181 مهمة خلال ساعتين و247 مهمة خلال ست ساعات.
وتشير هذه الأرقام إلى أن النموذج الصيني بات قادرا على المنافسة بقوة في مرحلة اكتشاف الثغرات، لكنه لا يزال متأخرا عن منافسه الأمريكي في تحويل تلك الثغرات إلى عمليات استغلال فعالة.
نموذج مفتوح المصدر يثير جدلا أمنيا
وقالت “زد.إيه أي” إنها تعتزم إتاحة “جي إل إم-5.3” للجمهور خلال نحو أسبوعين، بعد استكمال اختبارات الأمان وتعزيز إجراءات الحماية المرتبطة به.
وأكدت الشركة أن بعض الوظائف الأكثر حساسية في مجال الأمن السيبراني لن تكون متاحة لجميع المستخدمين، بل ستقتصر على جهات معتمدة ضمن برنامج أطلقت عليه اسم “الوصول الموثوق”.
وأضافت أنها زودت النموذج بعدة طبقات للحماية، تشمل أنظمة لرصد الطلبات المشبوهة، ومراقبة سلوك النموذج أثناء التشغيل، إلى جانب تدريبه على رفض تنفيذ المهام ذات الطابع الخبيث.
وبحسب الشركة، صمم النموذج للسماح بالاستخدامات المشروعة، مثل إصلاح الأخطاء البرمجية، وتعليم مبادئ الأمن السيبراني، وإجراء اختبارات أمنية مصرح بها.
غير أن هذه الضمانات تواجه تحديا أكبر عندما يتعلق الأمر بنموذج مفتوح المصدر، إذ يستطيع المستخدمون تحميله وتعديله وربطه بأدوات وأنظمة أخرى، ما يجعل التحكم في كيفية استخدامه أكثر صعوبة بعد خروجه إلى نطاق الاستخدام العام.
اقرأ أيضا: بلديتا السلط وعتيل تبحثان تعزيز التعاون وتبادل الخبرات في التحول الرقمي
“درع المصادر المفتوحة”
في مواجهة هذه المخاوف، تدافع “زد.إيه أي” عن خيار إتاحة أدوات الأمن السيبراني المتقدمة لمجتمع المصادر المفتوحة، معتبرة أن حصر هذه التقنيات لدى عدد محدود من الشركات التي تطور نماذج مغلقة قد يحرم مطوري البرمجيات وفرق الأمن الصغيرة من أدوات ضرورية لحماية أنظمتهم.
وأعلنت الشركة، في هذا الإطار، إطلاق مبادرة تحت اسم “درع المصادر المفتوحة”، تهدف إلى تدقيق عدد من مشاريع المصادر المفتوحة المختارة، وإتاحة نماذج الذكاء الاصطناعي لأغراض الدفاع السيبراني، إلى جانب إدخال أدوات متخصصة في تدقيق الشفرة البرمجية ضمن منتجها “زد-كود”.
اظهار أخبار متعلقة
وتأتي هذه الخطوة في وقت تتزايد فيه المخاوف من استخدام الذكاء الاصطناعي في تنفيذ هجمات إلكترونية أكثر تعقيدا، في مقابل تنامي الاعتماد عليه في اكتشاف الثغرات والاستجابة للهجمات وتعزيز أمن البرمجيات.
نجاحات سابقة للنماذج الصينية
ولا يعد “جي إل إم-5.3” أول نموذج من “زد.إيه أي” يحظى باهتمام دولي، إذ اكتسب الإصدار السابق “جي إل إم-5.2” خلال الأشهر الأخيرة انتشارا واسعا، خصوصا بين المطورين خارج الصين.
وجاء ذلك على خلفية قدراته في البرمجة وتنفيذ المهام بصورة شبه مستقلة، حيث رأى مستخدمون ومحللون أن أداءه بات يقترب من مستوى عدد من النماذج الأمريكية الرائدة، مع ميزة إضافية تتمثل في انخفاض التكلفة.
ويفتح هذا التطور جبهة جديدة في سباق الذكاء الاصطناعي بين الصين والولايات المتحدة، لا تتعلق فقط بمن يمتلك النموذج الأكثر قدرة، وإنما بمن يستطيع توظيف هذه القدرات في حماية البنية الرقمية من الهجمات، من دون أن تتحول التكنولوجيا نفسها إلى وسيلة لتسهيل اختراق الأنظمة واستهدافها.
اقرأ أيضا: شبكات إجرامية مرتبطة بالمغرب تطور أساليبها لإغراق أوروبا بالحشيش والكوكايين
