الشباب.. بين التأهيل والحياة الرقمية والمستقبل…

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

كان يوم الأربعاء الماضي 12 آب اليوم الذي أقرته الأمم المتحدة عام 1999 ليكون “اليوم العالمي للشباب” بهدف دفع الدول لإعطاء مزيد من الاهتمام لقضايا الشباب، باعتبارهم ثروة الشعوب وصناع المستقبل. وبالنسبة لنا في الأردن فإن اهتمام الدولة بالشباب بشكل عام يستحق الثناء، ابتداء من اهتمامات وجهود جلالة الملك إلى دور سمو ولي العهد إلى جلالة الملكة إلى مؤسسات الدولة ذات العلاقة. ويتميّز الأردن بنسبة الشباب المرتفعة والتي تبلغ 27 % من السكان أو ما يعادل 2.4 مليون شاب وشابة بين سن 15 إلى 24 سنة. وهذه الفترة ذات أهمية خاصة باعتبارها فترة النضج الذهني والعاطفي والتي يتم فيها بناء شخصية الشباب، ورسم ملامح اتجاهاتهم المستقبلية إلى حد كبير. وهنا يلعب التعليم والثقافة والتوجيه والانخراط المجتمعي دوراً بالغ الأهمية في صقل وتكوين الشخصية وتمكينها من العلم والمعرفة والمهارات والقيم الوطنية والأخلاقية والإنسانية اللازمة، وفي نفس الوقت مراعاة متطلبات المستقبل.اضافة اعلان
ويأتي اليوم العالمي للشباب هذا العام وقد أقرت الحكومة إعادة تنظيم قطاع التعليم بأكمله ليصبح «التربية وتنمية الموارد البشرية». وتشمل هذه الهيكلة المظلة الرئيسية لتكوين مستقبل الأطفال والفتيان والشباب حتى سن  عاما21. وكما قال الأمين العام للأمم المتحدة انتونيوغوتيرش: «بأن جموع الشباب بشكل عام قد انخرطت في طريق الإدارة والتنظيم والإبداع.» وأضاف غوتيرش: «ولكن لكي يتقدموا فإنهم بحاجة للتمكن من مهارات المستقبل، والتمكن العميق من مهارة التفكير النقدي وحل المشكلات وانتهاء بإتقان القرائية الرقمية».
 وهنا تجدر الإشارة إلى النقاط الرئيسية التالية:
 أولاً: إن الحصول على فرصة عمل ملائمة يشكل الاهتمام الأول للشباب عموماً، ولدينا خاصة حيث نسبة بطالة الشباب مرتفعة وتصل 38.8 % مقابل المتوسط العالمي 12.4 %، ونأتي هنا ثامن دولة في العالم في بطالة الشباب. الأمر الذي يستدعي مواصلة الاهتمام المنظم بالمشاريع الإنتاجية وخاصة الصغيرة والمتوسطة، وتمكين الشباب في وقت مبكر من مهارات الريادية وإدارة المشاريع.
 ثانياً: إن التعليم في مراحله المختلفة أصبح اليوم ومستقبلا أكثر تعقيداً مما كان عليه قبل سنوات، نتيجة للتغيرات التكنولوجية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية المتسارعة، ودخول الحوسبة والتواصل الاجتماعي والواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي إلى الحياة اليومية لكل طالب وشاب.
 ثالثاً: إن وزارة التعليم في هيكليتها الجديدة تقف أمام تحد كبير: كيف تستطيع أن تستجيب لمتطلبات التعليم والتعلم في إطار شبه فردي وبناء شخصية الطالب وتمكينه من المهارات المطلوبة وتأهيله ليكون مبدعاً ومتميّزاً في المستقبل، ومشاركاً في تقدم بلاده. أم أن الرقميات بكل تفاصيلها قد تسيطر على الطالب ليتحول إلى ما يشبه المتلقي فقط في العلم والمعرفة والثقافة؟
 رابعاً: إن إقبال الطلبة عموما والشباب بشكل خاص على استعمال الإنترنت ومحتوياتها مرتفع تماماً لدينا. وتبين الإحصاءات أن 100 % من الشباب يستعملون الإنترنت. وبقدر ما في هذا الإقبال على الحياة الرقمية من إيجابيات إلاّ أنها تحمل سلبيات كامنة وخطيرة: ابتداء من الضغوط النفسية مروراً بالاكتئاب والتنمر السيبراني، وانتهاء بالانسلاخ عن المجتمع. وهذا دفع بعض الدول مثل أستراليا لوضع ضوابط ومحددات لاستخدام التكنولوجيا الرقمية للأطفال والشباب ومنع المواقع الاجتماعية لمن هم دون الخامسة عشر من العمر. الأمر الذي يستدعي أن تتعمق الدراسات لدينا في الجانب النفسي والذهني للطلبة سواء في المدرسة أو الجامعة.
 خامساً: إن اكتساح موجة الذكاء الاصطناعي ودخولها البيت والدائرة الرسمية والمدرسة والمعهد والجامعة، بل وكل مكان ولكل سن، من شأنه أن يخلق أخطاراً تعليمية هائلة تتطلب الاستعداد لها مقدماً، تأتي في مقدمتها تراجع مهارات القراءة والكتابة ومهارات الاستيعاب ومهارة التعلم لأن الذكاء الاصطناعي يقدم كل نتاجات هذه المهارات جاهزة للأطفال والشباب. كذلك فإن مسالة التفكير النقدي التي ينادي بها التربويون باستمرار، والتي ازدادت خطورة وأهمية مع توفير الإجابة الجاهزة عن طريق الذكاء الاصطناعي، وكذلك مهارات التحليل والتركيب والمهارات اليدوية مرشحة لأن تتراجع بشكل كاسح، إذا لم توضع البرامج اللازمة للتعامل الإيجابي معها، الأمر الذي يستدعي أن تضع وزارة التربية والموارد البشرية «مدونة سلوك رقمي» غاية في الدقة والالتزام للمحافظة على استمرارية التمكين الحقيقي للطالب، وتكوين شخصيته القادرة على استثمار المهارات المطلوبة بدلاً من الانسياق في تيار «التواكلية الرقمية» التي أصبحت مساراً مفتوحاً لكل طفل وشاب، لتكون بالنسبة له نمط الحياة والتفكير والاستجابة.
 سادساً: إنه مع الوزارة الجديدة غدا ضرورياً اعادة تعريف دور المعلم في المدرسة والاستاذ في الجامعة، وإعادة تأهيله مهنياً وقيمياً، حتى ينجح المجتمع بمؤسساته مقاومة العزوف التدريجي المتوقع عن تعامل الطالب مع المعلم والأستاذ وقاعة المحاضرات، والاستعاضة عن كل ذلك بما يجده على المنصات الرقمية. وبالتالي التحول من القراءة المركزة إلى النقل المباشر أو الغش التعليمي، ابتداء من واجبات المدرسة وانتهاء برسائل الدراسات العليا. 
سابعاً: على الدولة بمؤسساتها وبالتعاون مع الخبراء والمفكرين أن تسارع بوضع مدونات سلوك للذكاء الاصطناعي واستخداماته في كل قطاع بذاته، وتحديد ضوابط العمر الذي يمكن للطالب الدخول فيه ومراعاة متطلبات الثقافة الوطنية والقواعد الأخلاقية والانسانية.
 ثامناً: إن العالم الرقمي والذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي وضعت كلها مسألة الثقافة والفنون واللياقات البدنية أمام تحولات غير معروفة المآل والمسار، وبشكل خاص الثقافة الوطنية، الأمر الذي يستدعي من الجامعات ومراكز الأبحاث ومن المؤسسات الثقافية والشبابية والفنية ومن المثقفين والمفكرين إعادة رسم الأدوار على طريق تمكين الشباب ليتحركوا في الاتجاه الصحيح.
وأخيراً، فإن الشباب يواجه متغيرات صعبة ومعقدة سوف تترك آثارها العميقة على المجتمع بأسره. وهذا يتطلب الكثير من الدراسات والأبحاث والمشاركات لمعرفة الآثار السلبية التي قد تتحكم في شخصية للطالب في المدرسة والجامعة بعيداً عن التهوين والتأجيل. الأمر الذي يجعل الاستثمار من جديد في التربية والتعليم وتأهيل المعلم والأستاذ والمدرسة والجامعة والمؤسسة الثقافية والشبابية للتعامل المناسب مع الطالب وما يرافقه من مفردات رقمية كثيرة أمراً بالغ الضرورة، بل وأكثر جدوى من الاستثمار في منصات الذكاء الاصطناعي كما أشار تقرير اليونسكو.

اقرأ أيضا: مستشفى خالد الحسن.. متى؟…

‫0 تعليق