مستشفى خالد الحسن.. متى؟…

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

لئن كانت فكرة تأسيس مستشفى لعلاج السرطان في الضفة الغربية، نيّرة وذات فرادة، فإن تسمية صرح طبي مزمع كهذا باسم القيادي الراحل في منظمة التحرير الفلسطينية خالد الحسن يعزّز من هذا ويكرّسه.اضافة اعلان
قد يكون خالد الحسن اليوم أقل حضوراً في ذاكرة شريحة من الشباب الفلسطيني، لكن من يخبر الجيل الذهبي للمنظمة يعرف جيداً عائلة الحسن، ويعرف موقعها في العمل الوطني الفلسطيني، كما يعرف أن الكويت كانت محطة أساسية في حياة الرجل السياسية والمهنية، وفي البيئة التي تشكلت فيها مبكراً نواة منظمة التحرير الفلسطينية. فقد وصل خالد الحسن إلى الكويت في أواخر الخمسينيات، وعمل في مجلس الإنشاء الكويتي ثم في بلدية الكويت، وهناك التقى ياسر عرفات وخليل الوزير وآخرين ممن صاروا لاحقاً من أبرز قادة “فتح”. 
وحسبنا في هذه النقطة تحديداً أن نستذكر أن خالد الحسن لم يكن من رجال الثورة الذين اكتفوا بحضورهم التنظيمي، بل كان من أولئك الذين امتزج عندهم العمل السياسي بالتفكير في مستقبل المشروع الوطني، فكان نتاجه الفكري والتنظيري لا يقل في المنظمة عن إسهاماته السياسية والاقتصادية، ولذلك فإن وضع اسمه على مستشفى مخصص لعلاج السرطان وزراعة النخاع يحمل، في جوهره، معنى يتجاوز تخليد الرجل؛ فهو يربط اسمه بمؤسسة يفترض أن تكون جزءاً من بناء الحياة الفلسطينية نفسها، لا مجرد شاهد على مرحلة من مراحل التاريخ.
على أن المشكلة تبدأ من هنا؛ إذ إن الشعب الفلسطيني لا يريد أن يعرف فقط لماذا حمل المستشفى اسم خالد الحسن (وإن كان ذلك مفسراً نسبياً؛ إذ كانت عائلة الحسن من أكثر العائلات الفلسطينية- الكويتية ثراء واقتداراً ما يرتبط بفكرة التبرعات للعمل الوطني الفلسطيني)، وإنما يريد أن يعرف أين أصبح المستشفى ذاته.
فكرة المشروع تعود إلى العام 2016، حين جرى العمل على إنشاء مركز متخصص لعلاج السرطان وزراعة النخاع، وتولت جهات هندسية إعداد المخططات، قبل أن يتضح أن التصور الأول كان بالغ الكلفة، وأن إنشاء مستشفى وفق ذلك النموذج يحتاج إلى أكثر من 160 مليون دولار قبل احتساب التجهيزات الطبية. ومنذ ذلك الوقت أخذ المشروع يبحث عن صيغة أخرى تجعله أقل كلفة وأكثر قابلية للتنفيذ. 
وليس في إعادة النظر في مشروع بهذا الحجم ما يعيب أصحابه؛ فالمشافي المتخصصة ليست بنايات عادية، وكلفة إنشائها وتشغيلها وتجهيزها لا تسمح بالكثير من الرومانسية. لكن ما يصبح صعباً على الناس هو أن تتحول المراجعة إلى انتظار طويل، وأن يصبح كل تأخير بحاجة إلى موعد جديد، وكل موعد بحاجة إلى تمويل جديد، وكل تمويل بحاجة إلى تفسير جديد.
لعل الجديد الذي أعاد المشروع إلى الواجهة جاء في العام 2025، حين وقعت الحكومة الفلسطينية مع البنك الإسلامي للتنمية في جدة اتفاقية “قرض حسن” بقيمة 26.6 مليون دولار، إلى جانب منحة بقيمة 8.6 مليون دولار من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، ومنحة أخرى بقيمة 15 مليون دولار من صندوق الأقصى. وبحسب الإعلان الرسمي، فإن هذه الحزمة مخصصة لتنفيذ المرحلة الأولى، بما يشمل البناء والتشطيب والمعدات وتدريب الكوادر، ومن المفترض أن يُباشر العمل في غضون هذه الفترة.
وهنا تحديداً يصبح السؤال أكثر إلحاحاً؛ فإذا كان التمويل قد دخل مرحلة مختلفة، وإذا كانت المرحلة الأولى للمشروع قد حظيت بمصادر تمويل معلنة، فلماذا لا يكون الفلسطيني قادراً على رؤية انتقال المشروع من الأوراق إلى الأرض؟
توطين علاج السرطان ليس ترفاً فلسطينياً؛ فالمشروع جاء أصلاً لتقليل الحاجة إلى التحويلات العلاجية إلى الخارج، بما يعنيه ذلك من أعباء مالية على الخزينة، ومن مشقة على المرضى وأسرهم، فضلاً عن أن امتلاك مؤسسة وطنية متخصصة في علاج الأورام وزراعة النخاع يضيف إلى قدرة النظام الصحي الفلسطيني على التعامل مع واحدة من أكثر الحالات الطبية تعقيداً. 
على أنّ هناك جانباً آخر في القصة لا يقل أهمية عن العلاج نفسه: التبرعات.
فحين يفتح الفلسطيني جيبه متبرعاً لمشروع يحمل اسم شخصية وطنية، فإنه لا يتعامل مع حملة عادية، وإنما مع ثقة عامة. وحين يطول المشروع سنوات، تصبح الشفافية جزءاً من العلاج، إن جاز التعبير؛ إذ ينبغي أن يعرف الناس ما جُمع، وما بقي، وما أنفق، وما الذي دخل في كلفة المشروع، وما الذي سيذهب إلى البناء والتجهيز والتشغيل. وقد أعلنت جهات رسمية في مراحل سابقة أن أموال التبرعات محفوظة في حساب خاص وتخضع للتدقيق، وهو أمر ينبغي ألا يبقى في إطار التصريحات، بل أن يتحول إلى ممارسة دائمة ومعلومة للرأي العام. 
ولعل منظمة التحرير الفلسطينية، أكثر من غيرها، معنية بأن يُغلق هذا الملف على نحو يليق بالاسم الذي يحمله؛ فخالد الحسن ليس اسماً عابراً في تاريخها، والمستشفى ليس مشروعاً يمكن أن يبقى معلقاً بين مؤسسة ووزارة وصندوق وتمويل ومخطط هندسي.

اقرأ أيضا: التعاون والخليج يفتتحان دوري روشن بتعادل سلبي

‫0 تعليق