الأردن: ما تعلمناه من الندرة…

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

لا يملك الأردن رفاهية أن يهدر الماء.
لم نتعلم ذلك؛ لأن الاستدامة أصبحت كلمة رائجة، ولا لأن تغير المناخ وضع المياه في مقدمة النقاش العالمي. فرضته علينا الجغرافيا منذ زمن طويل.اضافة اعلان
الأرقام وحدها تكفي لفهم حجم المسألة، فما يزال الأردن بين أكثر دول العالم شحًا بالمياه، ولا تتجاوز موارده المائية المتجددة نحو 61 مترًا مكعبًا للفرد سنويًا، في حين يبدأ خط الفقر المائي المطلق عند 500 متر مكعب، بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي.
أمام أرقام كهذه، كان يمكن أن تبقى حكاية المياه في الأردن مجرد حكاية نقص. لكن بلدًا لا يستطيع ببساطة أن يبحث كل مرة عن مصدر جديد للمياه، كان عليه أن يطرح سؤالًا مختلفًا: ماذا نفعل بالماء الذي لدينا، وكيف نستخدمه مرة أخرى، وكيف نخسر منه أقل؟
اليوم، تصف تقارير دولية الأردن بأنه رائد إقليمي في إعادة استخدام المياه العادمة المعالجة في الزراعة. وتوفر هذه المياه نحو ربع مياه الري، فيما يعاد استخدام أكثر من 90 في المائة من المياه العادمة المعالجة بأمان، خصوصًا في الري.
وفي الخربة السمرا مثال يستحق التوقف عنده. تعالج المحطة نحو 365 ألف متر مكعب من المياه العادمة يوميًا، بطاقة تصل إلى 130 مليون متر مكعب سنويًا. ولا تنتهي دورة المورد هناك؛ فالغاز الحيوي والطاقة الكهرومائية الناتجان عن عمليات المحطة يغطيان أكثر من 90 في المائة من احتياجاتها من الطاقة، فيما تعود المياه المعالجة لتصبح موردًا إضافيًا للاستخدام الزراعي، وفق بيانات وزارة المياه والري.
هنا يصبح شح المياه أكثر من أزمة أردنية. يصبح، أيضًا، خبرة أردنية.
اعتدنا أن نتحدث عن شح المياه باعتباره واحدًا من أثقل ما فرضته الجغرافيا علينا.. وهو كذلك بالفعل. لا معنى لتجميل واقع يصل فيه نصيب الفرد من الموارد المائية إلى جزء صغير من حد الفقر المائي العالمي. لكن من الإنصاف أيضًا أن نسأل ماذا فعل هذا الضغط بنا؟
حين تكون الموارد وفيرة، يمكن تأجيل أسئلة الكفاءة والهدر وإعادة الاستخدام. أما حين تكون قليلة إلى هذا الحد، فلا تملك الدول هذا الترف، وتتعلم مبكرًا كيف تدير النقص.
وهذا ما يفعله الأردن منذ عقود. فالمياه المستعملة لا ينبغي أن تكون نهاية دورة المياه، ومياه الأمطار القليلة تستحق أن تُحصد، والزراعة لا تستطيع أن تتصرف وكأن المياه مورد بلا نهاية. كما أن معالجة المياه لم تعد ملفًا بيئيًا منفصلًا عن الطاقة والزراعة والأمن الغذائي.
المثير أن هذه المعرفة لم تعد تخصنا وحدنا، فالعالم الذي اعتاد النظر إلى شح المياه باعتباره مشكلة تخص البلدان الجافة يواجه اليوم واقعًا مختلفًا. فارتفاع درجات الحرارة، وتكرار موجات الجفاف، والضغط على المياه الجوفية، تدفع مجتمعات كانت أكثر اطمئنانًا إلى مواردها المائية إلى طرح أسئلة عرفناها هنا منذ زمن. وفي آذار الماضي، وضع البنك الدولي الاستخدام الأكثر ذكاءً للمياه في صلب النقاش حول قدرة العالم على إطعام نحو عشرة مليارات إنسان بحلول منتصف القرن.
وكما تعلمنا طويلًا من تجارب الآخرين، ثمة في تجربتنا اليوم ما يستحق أن يتعلم منه الآخرون.
ليس لأن الأردن وجد الحل السحري للمياه؛ لم يفعل. ما يزال الضخ من المياه الجوفية يتجاوز المستويات المستدامة، وما تزال خسائر المياه مرتفعة، وكلفة توفير مصادر جديدة هائلة. وتبقى المياه غير المحققة الإيراد واحدة من أصعب مشكلات القطاع، فيما يمثل مشروع تحلية ونقل مياه العقبة إلى عمّان واحدًا من أكبر الرهانات لسد فجوة العرض في السنوات المقبلة.
هذه ليست قصة انتصار على الندرة، بقدر ماهي قصة بلد رفض، حتى الآن، أن يتعامل معها باعتبارها قدرًا لا يمكن فعل شيء أمامه.
فالمرونة لا تعني أن المشكلة اختفت. قد تعني ببساطة أن تتعلم كيف تعيش مع مشكلة لم تخترها، وأن تطور تحت ضغطها أدوات ربما لم تكن لتطورها بالسرعة نفسها لو كانت الظروف أسهل.
لهذا أشعر بشيء من الفخر حين أقرأ أن تجربة الأردن في إعادة استخدام المياه توصف اليوم بأنها تجربة ريادية إقليميًا. ليس لأنني أريد تحويل أزمة حقيقية إلى قصة نجاح كلاسيكية،  بل لأن وراء هذه الأرقام قصة بلد لم يحصل على جغرافيا سهلة.
لا يوجد أنهار كبيرة لدينا، ولا أمطار وفيرة، ولا مخزون مائي يسمح لنا بأن ننسى أمره لسنوات. ومع ذلك، راكم الأردن على مدى عقود معرفة ومؤسسات وبنية تحتية تحاول أن تجعل كل متر مكعب يؤدي أكثر من وظيفة، وأن تجعل كل مصدر ممكن جزءًا من الحل.
وما تزال أمامنا مسافة طويلة، وهذا لا ينتقص من التجربة لكنه يجعل قراءتها أكثر واقعية. فالدول لا تختار دائمًا الدروس التي تتعلمها؛ بعضها تمنحه إياها الوفرة، وبعضها تفرضها عليه الندرة.
والأردن تعلّم الماء بالطريقة الأصعب.
لسنوات طويلة، كان السؤال الذي يلاحقنا: كيف يستطيع بلد بهذا القدر القليل من المياه أن يستمر؟ السؤال لم يختف، ولا تزال الإجابة عنه صعبة.
لكن في عالم أكثر حرارة وأشد ضغطًا على موارده، بدأ يظهر إلى جانبه سؤال آخر: ماذا يمكن أن يتعلم الآخرون من بلد اضطر، قبلهم، إلى أن يعرف قيمة القطرة؟

اقرأ أيضا: الشباب.. بين التأهيل والحياة الرقمية والمستقبل…

‫0 تعليق