
يسعى ما نسبته (6 %) من أفراد المجتمع الإنساني، أو يزيد، لجمع العديد من المقتنيات اعتقادا منهم بأنهم سيحتاجونها مستقبلا أو ستصبح ذات قيمة كبيرة، بالإضافة لارتباطهم العاطفي بها، ومن الصعوبة التخلّص منها، حتى تتكدّس وتزدحم بها مساحات منزله دون ترتيب أو تنظيم، يُطلق على هذه العادة في علم النفس اضطراب الاكتناز القهري، وفي هذا الاضطراب يصعب على الفرد التخلّص من المقتنيات القديمة والبالية كالأحذية والملابس والمجلات والأكياس والأجهزة والأدوات والعبوات الفارغة، وقطع السيارات.. مع صعوبة بالغة في اتخاذ قرار بالتخلّص منها بغض النظر عن قيمتها الفعلية، فيؤدّي ذلك إلى فوضى تعم المكان بسبب تراكمها بشكل مفرط يملأ أماكن المعيشة، ويجعلها غير مهيأة لما صممت من أجله، وتشمل أعراض الاكتناز القهري: الرغبة العارمة في الاحتفاظ بالمقتنيات، وإقناع النفس بضرورة الاحتفاظ بها، والتوتّر والانزعاج عند محاولة التخلّص منها، وتكديس المقتنيات بشكل مبالغ فيه يجعل مساحات المنزل صعبة الاستخدام والتنظيف، وضعف القدرة على ترتيب وتنظيم المقتنيات، وصعوبة التعرّف على أماكن وضع الأشياء، وضياع الوقت في البحث عنها، والشعور بالقلق عند محاولة البعض لمس وتغيير أماكن المقتنيات، والتوتّر الدائم من الفوضى التي تعم المكان دون توفّر حل مقنع.
لقد أسهم اضطراب التسوّق القهري في تعميق اضطراب الاكتناز، وهو، أي اضطراب التسوّق القهري، اضطراب نفسي مزمن يتمثّل في رغبة لا يمكن السيطرة عليها في شراء أشياء دون الحاجة إليها، ويهدف هذا السلوك إلى الهروب من التوتّر أو القلق أو الاكتئاب، مما يؤدّي غالبا إلى تراكم المقتنيات والديون، والمشكلات الأسريّة، والشعور المستمر بالذنب بعد كلّ عملية شراء، ومن أعراضه شراء أشياء غير مفيدة أو متكرّرة وعدم استخدامها أبدا، والشعور ببهجة مؤقتة قبل الشراء، يعقبه ندم شديد أو خجل بعد الشراء، وحدوث مشكلات مالية أو ديون متراكمة بسبب الإنفاق الزائد، وقد تكمن الأسباب خلف الرغبة في تعويض نقص عاطفي أو تدني الشعور بالقيمة الذاتية، ومحاولة الهروب من الضغوط النفسية اليومية ومشاعر الحزن أو القلق، بالإضافة للإعلانات التجارية المغريّة وسهولة التسوّق الرقمي عبر الإنترنت، من هنا نشأت فكرة إستراتيجية تنظيف الموت السويدي، وهو نهج حياتي مبتكر كشفت عنه الكاتبة السويدية (مارغريت ماغنوسن)، وللوهلة الأولى يبدو مصطلحا مثيرا للجدل والتشاؤم أو انتظار النهاية، ولكنه بعكس ذلك يدعو للتنظيم وتخفيف العبء النفسي والمادي حاضرا وبعد مغادرة الدنيا، وتهدف الفكرة إلى عدم ترك عبء الفوضى على العائلة بعد الوفاة، وتمثّل الفكرة أسلوب حياة يهدف إلى التقليل من المقتنيات وترتيبها قبل الوفاة والتمتع بالراحة النفسيّة. وتنتمي فلسفة تنظيف الموت السويدي إلى علم النفس البيئي الذي يربط بين الفوضى المنزلية وتراجع الراحة النفسية، حيث تشير الدراسات إلى أن تفريغ المكان يقلل التوتّر البصري وتشتت الانتباه، ويؤدي إلى راحة الآخرين، والتخلي عن التراكمات المادية التي تشكل إرثا مربكا للعائلة، ويزيد الشعور بالسلام الداخلي، والتحكّم في الحياة اليوميّة، والرفاهية الذاتية، وتلفت (مارغريت) النظر لإعادة العلاقة مع المقتنيات الشخصيّة وتصنيفها بشكل دوري يحرّر المساحات المنزلية من الفوضى ويجعلها منظمة ومريحة.
هناك تقاطعات بين أسلوب (كوندو) وإستراتيجية تنظيف الموت السويدي، حيث ينص أسلوب (كوندو): عما إذا كان الغرض يبعث البهجة في قلبك؟ فإذا كانت الإجابة لا، تنصح (كوندو) بالتخلّي عنه فورا، والتركيز على البهجة الفردية في اللحظة الراهنة، بينما السؤال الرئيس في إستراتيجية تنظيف الموت السويدي: يطرح سؤالا اجتماعيا أعمق حول مصير الغرض بعد رحيل صاحبه، والهدف النهائي ليس العيش في فراغ أو التخلّص من كل شيء، فالتنظيم الواعي يضمن أن تبقى مقتنياتك إرثا جميلا لا عبئا ثقيلا على عائلتك، وهي فرصة للتصالح مع محيطك المادي قبل فوات الأوان.
إستراتيجية تنفيذ فكرة تنظيف الموت السويدي: استخدمت (مارغريت) مهارات التفكير الناقد لإقناع الأفراد باتباع فكرتها، حيث أوضحت من خلال خطوات عملية كيفية التخلص من المقتنيات والبدء بالأشياء التي لا تحمل قيمة عاطفية، كأدوات المطبخ والأجهزة والأدوات والأثاث؛ لتجنب التوّقف أمام الذكريات، والتخلّص منها على فترات وليس دفعة واحدة، حتى لا تترك فراغا في المكان يجعلك غير معتاد على هذا الوضع، أو الاستغناء عن مقتنيات تحمل تجارب عاطفية عميقة تندم بعدها، كما طرحت ثلاثة أسئلة قبل التخلّص من المقتنيات: هل أستخدم هذا الشيء فعلا؟ هل يحتاجه شخص أعرفه؟ هل سيكون وجوده مريحا لأسرتي من بعدي؟ أما خطوات التنفيذ الفعلي: ابدأ بالأشياء البسيطة، تخلّص من المقتنيات الزائدة أو المتكررة، نظّم ببطء من خلال أوقات قصيرة ومتباعدة لتجنب الإرهاق، قم بتعريف أفراد الأسرة بالمقتنيات وكيفية التخلّص منها وأماكن تواجدها، ثم قم بتوزيع المقتنيات على من تعرف أنّه بحاجة إليها فعلا، واحتفظ بالمقتنيات التي تحمل شعورا عاطفيا كالرسائل، والصور، والمعادن الثمينة والساعات في صندوق خاص يعرف مكانه أقرب الناس إليك.
إن الحياة قصيرة ولا تعاد، فاحرص على راحة بالك، وراحة بال من بعدك.
اقرأ أيضا: الأردن: ما تعلمناه من الندرة…
