زوجة البلتاجي لقتلة ابنتها في “رابعة”: كيف تعيشون بعد قتلكم إياها؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

في الذكرى الـ11 لمجزرة فض رابعة العدوية التي تحل الأربعاء 14 آب/أغسطس الجاري، وجهت والدة الشهيدة أسماء البلتاجي، وزوجة القيادي في جماعة الإخوان المسلمين المعتقل محمد البلتاجي، السيدة سناء عبد الجواد، العديد من التساؤلات إلى قتلة نجلتها من الجيش والشرطة في مثل هذا اليوم برصاصة أودت بالفتاة ذات الـ17 ربيعاً.

اقرأ أيضا: بعد إعلان مصر دراستها لمقترح تركيا.. هل يتحول “اتفاق مكة” إلى حلف رباعي؟

وعبر صفحتها بـ”فيسبوك”، كتبت عبد الجواد: “بعد 11 سنة من مجزرة رابعة، ما زلنا نتساءل: كيف أقدموا على القتل؟، وكيف استطاع إنسان أن يتجرد من إنسانيته إلى هذا الحد، فيطلق النار على ابنتي أسماء، رمز الطهر والجمال، وعلى كل هؤلاء الأطهار الذين ارتقوا شهداء؟”.

وتابعت: “كيف استطاع أن يرى دماءهم تراق أمام عينيه، ثم يمضي في حياته وكأن شيئاً لم يكن؟، كيف استطاع أن يعيش بعد تلك الجريمة، وأن يحمل في قلبه ذكرى تلك اللحظة دون أن يهتز له ضمير؟”.


 
وإثر الانقلاب العسكري الذي قاده وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي في 3 تموز/يوليو 2013، على الرئيس الراحل محمد مرسي، ارتكبت قوات الجيش والشرطة بقيادته مجزرة فض اعتصامي ميداني “رابعة العدوية” و”النهضة” (شرق وغرب القاهرة)، بالتزامن في صباح 14 آب/أغسطس 2013.

أودت المجزرتان بحياة 624 مدنياً في اعتصام رابعة وحده بحسب تقديرات الحكومة المصرية، في أرقام بلغت 817 شخصاً في رابعة وحدها وفق توثيق منظمة “هيومن رايتس ووتش” التي وصفت المجزرة بـ”عملية قتل جماعي لمتظاهرين قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية”، لكن جهات حقوقية أخرى وجماعة الإخوان المسلمين قدّروا العدد بأكثر من ذلك، منتقدين عدم محاسبة الجناة، والحبس والتنكيل بآلاف المعتصمين.
 

“مشاهد بربرية لرئيس عصابة”

وفي رؤيته، قال السياسي المصري محمد سودان، إن “مذبحة رابعة وأخواتها ما سبقها وما تلاها ما هي إلا صور من مشاهد بربرية لرئيس عصابة ومعه ثلة من العسكر أُعطيت لهم أوامر للاستيلاء على السلطة بطريقة غير شرعية بعد انقلاب 2013، فوجدوا أمامهم من يعيق مسيرة الطغيان واستمرار طريق الديكتاتورية العسكرية الذي بدأ بانقلاب 23 تموز/يوليو 1952، ومستمر ليومنا الحالي”.

اظهار أخبار متعلقة


وفي حديثه لـ”عربي21“، أوضح أنه “بالتالي كانت الأوامر العليا ممن يقودون المنطقة وليست مصر وحدها بالقضاء على الديمقراطية الوليدة بأي ثمن، ولن يكون هناك عقاب أمام هذه الجرائم الوحشية مهما كانت فظاعتها، وبالتالي تكلم السيسي أمام ضباطه بالمقطع الشهير: (إذا الضابط أحمد أصاب أحد المتظاهرين في عينه أو قتله، فلن يُحاكم الضابط أحمد)”.

القيادي في حزب “الحرية والعدالة” الحاكم سابقاً (2012-2013)، أكد أن “هذه الرسالة لكل ضباط الجيش، وضباط وجنود الشرطة، بتصريح واضح وصريح لهم بقتل كل معارضي النظام الديكتاتوري الذي سيأتي بعد قليل مع ضمانة من القائد العام الديكتاتور المقرب للرئيس الأمريكي، كما ذكرها على الملأ أنه لن يُحاكم على إصابة أو قتل أي متظاهر ضد العسكر”.

ويرى سودان، أنه “بالتالي ما شهدناه في رابعة وأخواتها بالقاهرة وبكل مدن المحروسة ما هو إلا تنفيذ لأوامر الديكتاتور الأعظم بحماية من واشنطن، وبغض النظر عن المجتمع الغربي قاطبة، وأقصد هنا الحكومات وليس الشعوب”.

واستدرك: “لكن ما رأيناه في مجزرة رابعة وأخواتها يفرض سؤالاً على مسامع العقلاء وخاصة من شاهد المجازر عن قرب: هل كان القتلة مصريين؟ أو بالأحرى، هل كان القتلة بشراً مثلنا؟، كيف يجرؤ إنسان أن يقتل أخاه أو ابنه أو أباه أو ابنته أو أحد أقربائه بدم بارد”.

شهادة طبيبة.. وقتل المصابين

وأشار إلى شهادة طبيبة كانت تعمل في الطابق الرابع من مستشفى رابعة وقت المجزرة، حين دخل عليها ضابط مصري ذو نسر ونجمة يأمرها بترك العملية الجراحية التي كانت تجريها لأحد الجرحى، فقالت له إن هناك 3 جرحى أداويهم ولن أتركهم، فأصر على خروجها وأخذ يدفعها بظهر البندقية، فأصرت الطبيبة ألا تتركهم، فأطلق عليهم النار فقتلهم، وقال لها: (كانوا جرحى، والآن هم قتلى)، ودفعها خارج الطابق الرابع بقوة، ولم يكتفِ الضابط أحمد بذلك بل حرق هو ورفاقه المستشفى بمن فيها من جرحى وشهداء”.

وأكد أن هناك “أكثر من 2600 شهيد، منهم من شهدنا جثثهم ومنهم من اختفت جثامينهم، ولا نعلم عنهم شيئاً حتى الآن، بعد أن احترقت بمستشفى ومسجد رابعة أو بجرف البلدوزرات لهم ووضعهم في شاحنات لا ندري حتى الآن أين أُخذت جثامين هؤلاء الشهداء”.

وأشار إلى أن “العديد من منظمات حقوق الإنسان أصدرت تقارير تدين المجازر وتؤكد أنها جرائم ضد الإنسانية، بعد تنصل (المحكمة الجنائية الدولية) في لاهاي من النظر في الدعوى بعد 6 أشهر من تسليم أدلة ووقائع هذه الجرائم الشنعاء”.

وفيما يراه سودان، “بصيص الأمل”، استدرك قائلاً: “لكن المحكمة البريطانية العليا نظير هذه الجرائم أصدرت قراراً بإسقاط الحصانة الدبلوماسية عن كل موظفي الحكومة المصرية باستثناء الرئيس”.

تأسيس جمهورية الاستبداد

من جانبه، قال الحقوقي مصطفى عزب: “السؤال لم يعد فقط: ماذا حدث 14 آب/أغسطس 2013؟ بل السؤال الأهم: ماذا حدث لمصر كلها بعد ذلك اليوم؟”، موضحاً أن “رابعة لم تكن أول دم أُريق بعد 3 تموز/يوليو 2013، فقد سبقتها الحرس الجمهوري والمنصة، لكنها كانت اللحظة التي كُسر فيها السقف تماماً. وبعد كل ذلك، لم يُحاسب أحد على المذبحة”.

المدير الإقليمي لـ”المنظمة العربية لحقوق الإنسان” في بريطانيا، أضاف: “هنا تكمن الكارثة التي تجاوزت رابعة نفسها”، مبيناً أنه “حين يستطيع نظام أن يقتل هذا العدد من مواطنيه ثم يمضي بلا حساب، فالرسالة لا تصل فقط إلى أهالي الضحايا، بل إلى أجهزة الدولة كلها: لقد ارتفع سقف ما يمكن فعله بالمصريين”.

وتابع: “في البداية قيل: إنهم الإخوان؛ ثم خرج القمع من رابعة، وطال الإسلاميين وغير الإسلاميين، وشباب يناير، والليبراليين، واليساريين، والصحفيين، والمحامين، والحقوقيين، والباحثين، والمتظاهرين، وحتى مواطنين لم يكن لهم نشاط سياسي منظم؛ وكان لهذا الخراب الداخلي مستفيد إقليمي واضح: المشروع الصهيوني وإسرائيل”.

المحامي والناشط والحقوقي المصري، يرى أن “النتائج الموضوعية لما جرى خدمت مصالح إسرائيل الاستراتيجية بصورة واضحة. مصر المنهكة داخلياً، التي سُحق فيها المجال السياسي المستقل، وأُضعفت فيها القوى الشعبية القادرة على الضغط في قضية فلسطين، أصبحت أقل قدرة على تشكيل ثقل عربي شعبي وسياسي في مواجهة إسرائيل”.

“أكثر من مجزرة”

ولفت إلى أنه “في الوقت نفسه تعمّق التعاون الأمني المصري الإسرائيلي في عهد السيسي، خصوصاً في سيناء وغزة، ووصف السيسي نفسه التعاون مع تل أبيب في 2019 بأنه واسع وغير مسبوق، كما ازداد التعاون في مجالي الأمن والطاقة بصورة ملحوظة في هذه المرحلة”.

وذهب للقول: “وهكذا لم يكن سحق التجربة السياسية المصرية شأناً مصرياً خالصاً، بل التقت فيه مصالح الثورة المضادة العربية مع مصالح إسرائيل في إجهاض أي تحول ديمقراطي يمكن أن يعيد للشعوب العربية وزناً حقيقياً في تقرير سياسات دولها”.

وأضاف: “كانت المفارقة أشد مرارة أن أنظمة خليجية تخشى انتقال عدوى المشاركة الشعبية إلى شعوبها وجدت في إسقاط التجربة المصرية معركة وجود تخصها هي أيضا”.

اقرأ أيضا: ابن سلمان يلتقي قائد “سنتكوم” ويبحث جهود خفض التصعيد بالمنطقة

وبيّن أنه “كان لأبوظبي بصفة خاصة دور بارز في تحويل محاربة أي تحول ديمقراطي عربي إلى مشروع إقليمي، ليس في مصر وحدها، وإنما في أكثر من ساحة عربية”.

وواصل: “وهنا اكتملت أضلاع المأساة: استبداد في الداخل يسحق المجتمع، ومال إقليمي يحميه من ثمن فشله، وعدو صهيوني يستفيد من إضعاف مصر وتصفية استقلال قرارها الشعبي؛ وهنا تظهر المفارقة المريرة: حين دُمّرت السياسة في أكبر دولة عربية، لم يخسر المصريون وحدهم، بل فقدت القضية الفلسطينية أيضاً جزءاً كبيراً من ظهيرها الشعبي والسياسي الطبيعي”.
 

الدرس الغائب

ويعتقد أنه “لهذا كانت رابعة أكثر من مجزرة، وكانت اختباراً خطيراً نجح فيه الإفلات من العقاب، وكانت إحدى لحظات إضعاف مصر من الداخل بما صبَّ، موضوعياً، في مصلحة إسرائيل إقليمياً، وفي مصلحة أنظمة عربية رأت في استقلال الشعب المصري وقدرته على اختيار حكامه تهديداً مباشراً لبقائها”.

وأكد أن “الدرس الذي لم يفهمه كثيرون يومها أن الدولة التي تمنحها الحق في سحق خصمك لا توقع معك تعهداً بأنها ستتوقف عند خصمك، وحين تقبل أن يُسحق المختلف معك لأنه إخواني، أو علماني، أو يساري، أو ثوري، أو أي شيء تكرهه، فأنت لا تتنازل عن حقه وحده. أنت تهدم الحائط الذي قد يحميك أنت غداً، وتضعف الوطن كله أمام خصومه في الخارج”.

ويرى أنه “لهذا، بعد 13 عاماً، لم تعد رابعة مجرد ذكرى تخص الإخوان، ولا مجرد مأساة تخص أسر من قُتلوا فيها. رابعة أصبحت جزءاً من تاريخ كل مصري دفع لاحقاً ثمن دولة تعلمت أن البطش يمكن أن يمر بلا حساب، وجزءاً من تاريخ وطن أضعفته سلطته من الداخل، ومولتها قوى إقليمية تخشى حرية الشعوب، بينما كان عدوه التاريخي من أكبر المستفيدين من ضعفه”.

وختم قائلاً: “هكذا لم تكن رابعة نهاية اعتصام فقط. كانت إحدى اللحظات المؤسسة لجمهورية استبداد سحقت الداخل، واستندت إلى الخارج، وأضعفت مصر حتى أصبح الشعب هو الخاسر الأكبر، وأصبح خصومه في الخارج من أكبر الرابحين”.
 

“يتآمرون ولا يتألمون”

وفي تعليقه، قال السياسي المصري والبرلماني السابق محيي عيسى: “هي ذكرى أليمة ويوم أسود في تاريخ مصر، يوم ارتوت أرضها بدماء الآلاف، ونعم هؤلاء القتلة يتآمرون ولا يتألمون مما فعلوه، وهل تألم قتلة الحسين سبط الرسول وابن علي والزهراء؟ فعندما يتجرد الإنسان من إنسانيته يطمس الله على قلبه وينزع منه الرحمة”.

وأضاف لـ”عربي21“: “رابعة كانت مأساة يتحملها كل من شارك فيها ودعا إليها، وإن أردنا أن نستخلص منها الدروس فلنكن صرحاء مع أنفسنا؛ إذا كنا لم ننجح في وقف الانقلاب قبل حدوثه ونمنع عزل الدكتور مرسي وهو حر طليق، فهل كان يُعقل أن نفكر أن نعيده بعد عزله واعتقاله؟ وهل كان يمكن عودة الساعة إلى ما قبل 3/7؟”.

اظهار أخبار متعلقة


وتابع: “بعد أن رأى الجميع حشوداً مضادة بميدان التحرير أيا كان العدد، وبعد أن حشد زعيم الانقلاب شيخ الأزهر ورأس الكنيسة وجمعاً من القوى السياسية، لنا أن نسأل: مَن اختار مكان الاعتصام؟ ووجود هذا الحشد بمكان يسهل صيد المعتصمين فيه؟ وكيف لقيادات إسلامية تشحن الجموع بخطاب عاطفي ورؤى وأحلام وثقة بأن الرئيس سيعود؟ ولماذا رفضت القيادات أي مبادرات وتمسكت بالحل الصفري؟”.

وختم قائلاً: “كل هذا لا يعفي المجرمين من فعلهم الدموي؛ لكن هي دروس للأجيال القادمة، بأنه في السياسة نحكّم العقل لا العاطفة، ونقبل الحلول الوسط، وفي الإسلام تبقى عصمة الدماء أولوية على أي مصلحة، رحم الله شهداء اعتصموا خلف قيادتهم ووثقوا أن الجيش لن يقتل مصرياً، ففعل فيهم الجيش ما لم يفعله عدو كافر، ولذا ستبقى دماء رابعة لعنة على قاتلهم تصاحبه حتى قبره وإلى قيام الساعة”.

اقرأ أيضا: ابنة بيل غيتس تواجه جريمة قد تصل عقوبتها إلى 20 عاماً في السجن…

‫0 تعليق