
عمان – في وقت يواصل فيه الأردن تحمل أعباء استضافة أكثر من 3 ملايين لاجئ، تتزايد الضغوط على قدرته على الاستمرار في الاستجابة للاحتياجات الإنسانية، في ظل نقص التمويل المخصص لبرامج دعم اللاجئين، واستمرار التحديات الاقتصادية والضغوط الإقليمية، فيما يواصل الأردن، في الوقت ذاته، أداء دور يتجاوز حدود الاستضافة، عبر تحوله إلى ممر رئيس لتسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة ولبنان.
وتظهر بيانات برنامج الأغذية العالمي لشهر تموز (يوليو) الماضي أن نقص التمويل انعكس بصورة مباشرة على حجم المساعدات المقدمة للاجئين السوريين في الأردن، إذ بقيت المساعدات الغذائية المقدمة للاجئين المقيمين في المجتمعات المضيفة معلقة منذ نيسان (أبريل) الماضي، بسبب النقص الحاد في التمويل، بينما استمرت المساعدات المقدمة للاجئين في المخيمات، ولكن بقيمة مخفضة لا تغطي سوى جزء من احتياجاتهم الغذائية.
ويأتي ذلك في وقت ما يزال فيه الأردن من أكبر الدول المضيفة للاجئين في العالم، إذ يستضيف أكثر من 3 ملايين لاجئ، من بينهم اللاجئون الفلسطينيون والسوريون، إلى جانب أعداد أقل من جنسيات أخرى، فيما بلغ عدد اللاجئين السوريين المسجلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين نحو 370.2 ألف لاجئ حتى تموز (يوليو) الماضي.
وتتضاعف أعباء الاستضافة في ظل طبيعة التحديات التي تواجه المملكة، باعتبارها دولة محدودة الموارد، وتعاني من نقص الغذاء وتراجع موارد الطاقة والمياه ومحدودية الأراضي الزراعية، ويبلغ عدد سكانها نحو 12 مليون نسمة، يشكل من هم دون سن الثلاثين نحو 63 % منهم.
ورغم ما ساهمت به الإصلاحات السياسية الأخيرة في تعزيز مرونة الاقتصاد الأردني، فإن الصراعات الإقليمية المستمرة ألقت بظلالها على المملكة، وزادت من حدة التحديات الاقتصادية القائمة، في وقت لا تزال فيه البطالة تمثل أحد التحديات الهيكلية، إذ بلغت نسبتها 16 % بين السكان خلال الربع الأول من العام الحالي، فيما تشكل النساء 32.7 % من العاطلين عن العمل.
التمويل يضغط على المساعدات الغذائية
وذكر برنامج الأغذية العالمي، في تقريره الأخير حول عملياته في الأردن لشهر تموز (يوليو) الماضي، أن المساعدات المقدمة للاجئين في المجتمعات المضيفة ما تزال متوقفة منذ نيسان (أبريل) 2026، نتيجة النقص الحاد في الموارد المالية.
وفي تموز (يوليو) الماضي، قدم البرنامج مساعدات غذائية عامة لنحو 81 ألف لاجئ سوري يعيشون في المخيمات، إلا أن هؤلاء استمروا في الحصول على مساعدات شهرية بمستوى مخفض لا يتجاوز 15 دينارا، أي ما يعادل نحو 21 دولارا للفرد، وهي قيمة لا تغطي سوى جزء من الاحتياجات الغذائية الأساسية للاجئين.
ويعكس استمرار خفض قيمة المساعدة وتعليقها عن اللاجئين في المجتمعات المضيفة حجم الضغوط التمويلية التي تواجه الاستجابة، لا سيما في ظل استمرار الاحتياجات الإنسانية وتزامنها مع الضغوط الاقتصادية التي تواجهها المملكة والمجتمعات المستضيفة.
ويواصل برنامج الأغذية العالمي، استنادا إلى ما تحقق خلال السنوات السابقة في إطار خطته الإستراتيجية القطرية للأعوام 2023–2027، تقديم المساعدات الغذائية غير المشروطة للاجئين الأكثر ضعفا، بالتوازي مع تقديم الدعم الفني لتعزيز برامج وأنظمة الحماية الاجتماعية الوطنية.
ولا تقتصر آثار نقص التمويل على المساعدات الغذائية المباشرة للاجئين، بل تمتد إلى برامج أخرى مرتبطة بالأمن الغذائي والتغذية، وفي مقدمتها البرنامج الوطني للتغذية المدرسية.
وبحسب البيانات، فإن متطلبات التمويل للأشهر الستة المقبلة تبلغ نحو 28.6 مليون دولار، للفترة الممتدة بين آب (أغسطس) 2026 وكانون الثاني (يناير) 2027.
2.7 مليون دولار مطلوبة للتغذية المدرسية
وبحسب التقرير، يحتاج برنامج الأغذية العالمي إلى نحو 2.7 مليون دولار لتوفير ألواح التمر المدعمة والوجبات الصحية لنحو 510 آلاف طالب من الفئات الأكثر ضعفا خلال العام الدراسي 2026–2027، بما يضمن استمرار حصولهم على دعم غذائي أساسي.
ويولي البرنامج أنشطة التعليم والتغذية أولوية ضمن تدخلاته في الأردن، بالتوازي مع العمل على تطوير برامج تعزيز القدرة على الصمود، في محاولة للانتقال تدريجيا من الاستجابة المباشرة للاحتياجات إلى دعم برامج أكثر استدامة.
ووفقا للتقرير، فقد بدأ الأردن الانخراط في مبادرة تسريع التحالف العالمي للتغذية المدرسية، وهي مبادرة تستهدف دعم الحكومات في تعزيز أنظمة التغذية المدرسية الوطنية وتوسيع نطاقها.
وشاركت وزارة التربية والتعليم، بالشراكة مع برنامج الأغذية العالمي، في الجلسة الافتتاحية للمبادرة، فيما يجري العمل على وضع اللمسات الأخيرة على دعوة تقديم الطلبات، في خطوة تستهدف الوصول إلى إطار عمل مشترك بين الحكومة والشركاء لتقييم التقدم في البرنامج الوطني للتغذية المدرسية، وتحديد الأولويات الإستراتيجية، والبحث عن فرص تقنية وتمويلية طويلة الأجل تضمن استدامته.
وتكتسب مسألة توفير التمويل للبرنامج أهمية إضافية في ظل العدد الكبير من الطلبة المستفيدين منه، إذ إن توفير مبلغ الـ2.7 مليون دولار المطلوب يعني استمرار الدعم الغذائي لنحو نصف مليون طالب خلال العام الدراسي المقبل.
الأردن.. من دولة مستضيفة إلى ممر للمساعدات
وفي مقابل الضغوط التي يتحملها الأردن نتيجة استضافة ملايين اللاجئين، تواصل المملكة أداء دور إقليمي في الاستجابة للأزمات الإنسانية، إذ أصبح الأردن نقطة انطلاق وممرا للمساعدات الموجهة إلى قطاع غزة ولبنان.
ويؤدي برنامج الأغذية العالمي في الأردن، بالتعاون مع الحكومة والجهات الوطنية، دورا في تنسيق وتيسير إيصال المساعدات الغذائية والإنسانية، بما يعكس توسع الدور الأردني من الاستجابة لاحتياجات اللاجئين داخل المملكة إلى المساهمة في عمليات الاستجابة الإنسانية في المنطقة.
وفي إطار دعم الاستجابة الإنسانية في غزة، سلّم برنامج الأغذية العالمي خلال حزيران (يونيو) الماضي 104 شاحنات تحمل نحو 2193 طنا متريا من المواد الغذائية إلى قطاع غزة عبر معبر اللنبي التجاري.
ويكتسب ذلك أهمية في ظل الضغوط الكبيرة على طرق وصول المساعدات الإنسانية إلى القطاع، ما يجعل الممر الأردني أحد المسارات المستخدمة لإيصال المواد الغذائية والمساعدات.
وامتد الدور ذاته إلى لبنان، إذ سهّل برنامج الأغذية العالمي في الأردن، بالتنسيق مع السلطات الوطنية، مرور القافلة الإنسانية الحادية عشرة من الأردن إلى لبنان، بقيادة الهيئة الخيرية الأردنية الهاشمية.
وخلال حزيران (يونيو) الماضي، تم تسهيل مرور 18 شاحنة تحمل مواد مرتبطة بالمياه والصرف الصحي والنظافة والمأوى والأدوية، نيابة عن الشركاء الإنسانيين.
وبذلك، ارتفع إجمالي عدد الشاحنات التي جرى تسهيل مرورها عبر الممر الأردني–اللبناني إلى 88 شاحنة، حملت أكثر من 943 طنا متريا من الإمدادات الإنسانية.
ويعكس هذا الدور القيمة المتزايدة للجسر الإنساني الذي تقوده المملكة، باعتباره طريق وصول إضافيا للمساعدات، في وقت تواجه فيه المنطقة أزمات إنسانية متزامنة تتطلب موارد مالية ولوجستية متزايدة.
اقرأ أيضا: 5 إصابات برصاص المستوطنين وقوات الاحتلال في الضفة وغزة…
