
عمان- مع إعلان نتائج الثانوية العامة “التوجيهي” لهذا العام، تبدأ أمام الطلبة الناجحين مرحلة جديدة تتطلب قدرا كبيرا من الوعي والتأني، تتمثل باختيار التخصص الجامعي الذي سيشكل نقطة انطلاق لمسارهم الأكاديمي والمهني، وسط تعدد الخيارات وتنوع التخصصات الجامعية وتغير احتياجات سوق العمل بصورة متسارعة.
ويرى خبراء تربويون وأكاديميون، إن اختيار التخصص الجامعي لا ينبغي أن يستند لمعدل الثانوية العامة وحده، أو لرغبة الأسرة أو انتشار تخصص معين، إنما لمجموعة من المعايير المتكاملة، في مقدمتها قدرات الطالب وميوله واهتماماته، وطبيعة التخصص ومتطلباته، وفرصه المستقبلية، ومدى ارتباطه بالتغيرات التي يشهدها سوق العمل سيما وأن هذا التخصص سيرافق الطالب مدى الحياة ويحدد بنسبة كبيرة طبيعة مسيرته المستقبلية.
مرحلة ما بعد التوجيهي الأكثر حساسية
ويؤكد رئيس جامعة عجلون الوطنية، ومدير مركز الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي باتحاد الجامعات العربية، فراس هناندة، إن مرحلة ما بعد الثانوية العامة تمثل أكثر المراحل حساسية في حياة الطالب، باعتبارها تنتقل به من مرحلة تعليمية تقوم بدرجة كبيرة على التوجيه المدرسي إلى مرحلة تتطلب منه قدرا أكبر من الاستقلالية والقدرة على اتخاذ القرار، مبينا أن أول خطوة في اختيار التخصص تتمثل في أن يعرف الطالب نفسه بصورة جيدة، وأن يحدد المجالات التي تتناسب مع قدراته واهتماماته وطريقة تفكيره.
ويضيف، أن الطالب ينبغي ألا ينظر للتخصص عبر اسمه أو مكانته الاجتماعية فقط، وإنما يتعرف إلى طبيعة المواد التي يدرسها، والمهارات التي يتطلبها، والجهد الذي يحتاجه، والقدرات التي ينبغي أن يمتلكها حتى يستطيع النجاح فيه، مشيرا إلى أن كثيرا من حالات التعثر أو تغيير التخصص قد تنتج عن اختيار الطالب مجالا لا يتناسب مع ميوله أو قدراته
وشدد على أهمية الحوار بين الطالب وأسرته وأن يكون قائما على الاستماع والمناقشة وتبادل المعلومات، وليس على فرض خيار محدد، على اعتبار أن لكل طالب قدراته وشخصيته وطموحاته وظروفه الخاصة، وما يناسب طالبا قد لا يكون الخيار الأفضل لزميله حتى لو كانا يحملان المعدل ذاته، لأن الفروق الفردية في الميول والرغبة والاتجاهات تتواجد طبيعيا بين الطلبة ومن الصعب أن يقيس معدل الثانوية العامة هذا الفروق والاتجاهات.
ويرى، أن دور الأسرة في هذه المرحلة يتمثل في مساعدة الطالب على جمع المعلومات وتحليلها، وتشجيعه على اكتشاف قدراته، وتجنب المقارنات والضغوط الاجتماعية، فيما تقع على الجامعات والمؤسسات التعليمية مسؤولية توفير معلومات واضحة وحديثة حول برامجها وتخصصاتها ومخرجاتها وفرص التدريب والعمل المرتبطة بها.
وأكد، أن الطالب الذي يدخل الجامعة وهو يمتلك معرفة واضحة بتخصصه، ووعيا بمتطلباته، واستعدادا لتطوير مهاراته إلى جانب دراسته الأكاديمية، سيكون أكثر قدرة على الاستفادة من سنواته الجامعية وبناء مسار مهني يتناسب مع قدراته وطموحاته، بما يسهم في تحويل التعليم الجامعي من مجرد الحصول على شهادة إلى وسيلة حقيقية لبناء المستقبل وخدمة المجتمع والوطن.
مجموعة متنوعة من الخيارات والمسارات
من جهته قال عميد كلية العلوم التربوية والتنمية البشرية في الجامعة الهاشمية د.أيمن العمري، إن الطلبة من مختلف حقول الثانوية العامة أمامهم مجموعة متنوعة من المسارات والتخصصات الجامعية، إلا أن طبيعة الخيارات وشروط الالتحاق تختلف وفق الحقل والمعدل والسياسات المعتمدة للقبول، داعيا الطلبة إلى دراسة الخيارات المتاحة لهم بصورة دقيقة قبل ترتيب رغباتهم.
ويبين أن عملية الاختيار يمكن أن تبدأ بحصر التخصصات التي يستطيع الطالب الالتحاق بها وفق حقله ومعدله، ثم الانتقال إلى مرحلة أكثر عمقا تتمثل في مقارنة هذه التخصصات من حيث طبيعة الخطة الدراسية، والمواد التي تتضمنها، والمهارات التي تركز عليها، والمدة الزمنية للدراسة، ومجالات العمل المتاحة لخريجيها، مشددا على ضرورة ألا يكتفي الطالب بالمعلومات المتداولة بين زملائه أو على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما يستفيد من المرشدين الأكاديميين وأعضاء هيئة التدريس والخريجين وأصحاب الخبرة، وأن يطلع على الخطط الدراسية ومجالات العمل المرتبطة بكل تخصص قبل اتخاذ القرار النهائي.
ويضيف، أن اختيار الجامعة يمثل جانبا آخر من القرار، إذ ينبغي للطالب أن ينظر إلى اعتماد البرنامج الأكاديمي، وجودة التعليم، والبيئة الجامعية، والفرص التي توفرها الجامعة في التدريب العملي والبحث والابتكار والأنشطة، إلى جانب الكلفة والموقع والظروف التي تناسب الطالب وأسرته.
وأكد، أن التخصص الجامعي لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره وظيفة محددة يضمنها للطالب بعد التخرج، وإنما قاعدة معرفية ومهارية يمكن أن يبني عليها مساره المهني، خصوصا في ظل التغير المستمر في طبيعة المهن والوظائف، وأن الطالب لا ينبغي أن يشعر بأن اختياره الأول سيحدد حياته المهنية بصورة نهائية، فالتعليم الجامعي في العصر الحديث أصبح أكثر مرونة، ويمكن للخريج أن يطور مهاراته أو يحصل على شهادات إضافية أو ينتقل إلى مجالات مهنية متقاطعة مع تخصصه، لكن القرار الأول يظل مهما لأنه يضع الأساس لمسار السنوات الجامعية المقبلة.
المستقبل المهني لن يعتمد على الشهادة وحدها
وقال رئيس قسم القيادة التربوية والأصول في الجامعة الأردنية د.صالح عبابنة، إن احتياجات سوق العمل أصبحت عنصرا أساسيا في قرار اختيار التخصص، لكن من الخطأ التعامل معها باعتبارها قائمة ثابتة من التخصصات التي تضمن الحصول على وظيفة، لأن طبيعة السوق تتغير باستمرار، وبعض المهن تتراجع الحاجة إليها في حين تظهر مهن جديدة نتيجة التطورات التكنولوجية والاقتصادية.
وبين، أن الطالب الذي يختار تخصصه ينبغي أن يسأل عن المهارات التي سيحتاجها سوق العمل خلال السنوات المقبلة، وليس فقط عن الوظائف الموجودة في الوقت الحالي، موضحا أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والأتمتة والتطور في قطاعات الطاقة والصحة والصناعة والخدمات والأعمال ستؤثر بصورة متزايدة في طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة.
وأكد، أن المستقبل المهني لن يعتمد على الشهادة الجامعية وحدها، بل على قدرة الخريج على الجمع بين المعرفة المتخصصة والمهارات الرقمية والتحليلية والقدرة على حل المشكلات والتواصل والعمل الجماعي والتعلم المستمر، لافتا إلى أن الطالب يستطيع تعزيز فرصه منذ سنوات الدراسة من خلال التدريب العملي، والشهادات المهنية، والمشاركة في المشاريع والبحث والأنشطة، واكتساب مهارات إضافية مرتبطة بتخصصه.
وأضاف، إن بعض المجالات الجديدة والنامية، ومنها الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات والأمن السيبراني والتكنولوجيا المالية والطاقة والتقنيات الهندسية والصحية، توفر مساحات متنامية للطلبة، إلا أن اختيار أي منها يجب أن يرتبط بقدرات الطالب واهتماماته واستعداده الحقيقي للتعلم والتطور، وليس لمجرد كونه تخصصا حديثا أو متداولا.
ويتفق المتحدثون على أن أفضل طريقة لاتخاذ قرار اختيار التخصص الجامعي تبدأ من الطالب نفسه، ثم تنتقل إلى دراسة الخيارات الأكاديمية المتاحة، وتنتهي بقراءة واقعية لاحتياجات سوق العمل والفرص المستقبلية، مع ضرورة إبقاء القرار قابلا للتطور والتكيف مع المتغيرات.-(بترا)
