في عالم حماية رؤساء الدول، تُعد السرية جزءا من منظومة الأمن، لكن ما كُشف عن رحلة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في مستهل طريق عودته من تركيا، حيث شارك في قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي استضافتها أنقرة يومي 7 و8 يوليو/تموز الماضي، تجاوز مفهوم السرية إلى واحدة من أكثر عمليات التضليل إثارة للجدل في السنوات الأخيرة.
اقرأ أيضا: في مواجهة اختناق هرمز.. كيف يؤمّن الخليج شريان النفط ويصوغ توازنات المنطقة؟ | سياسة
وبدأت خيوط الواقعة تتكشف عقب اختتام قمة الناتو في تركيا، عندما صعد ترمب سلم الطائرة الرئاسية القديمة “إير فورس وان” أمام عدسات الإعلام، ليتسلل بعد دقائق معدودة عبر باب جانبي إلى شاحنة مخصصة لنقل الطعام، ومنها إلى طائرة عسكرية أصغر حجما غادرت الأجواء تحت اسم رمزي سري، تاركا وراءه طائرته الأصلية محملة بأكثر من مئة من مسؤولي وموظفي البيت الأبيض وصحفيين ظنوا طوال الرحلة أن الرئيس يشاركهم مقاعد الطائرة.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
وأثارت العملية تساؤلات لا تتعلق فقط بسلامة الرئيس، وإنما أيضا بسلامة من كانوا على متن الطائرة، وبالحدود التي يمكن أن تصل إليها الإدارة الأمريكية في تضليل الجمهور والصحافة لأسباب أمنية.

رحلة الهروب السري
ووفقا لتقارير نشرها موقع أكسيوس الإخباري الأمريكي وصحيفتا غارديان وآي بيبر البريطانيتان، فإن تحذيرات استخبارية تفيد بوجود مخطط إيراني لاغتيال ترمب أو إسقاط طائرته دفعت الأجهزة الأمنية إلى تنفيذ مناورة إخلاء معقدة في مطار أنقرة.
وجاءت هذه المخاوف بالتزامن مع توترات محتدمة وتنفيذ الجيش الأمريكي ضربات كبرى ضد أهداف إيرانية، مما رفع حالة التأهب من رد انتقامي محتمل إلى أعلى مستوياتها.
وأوضح موقع أكسيوس -الذي يتمتع بعلاقات قوية مع دوائر صنع القرار في واشنطن- أن ترمب كان قد وصل إلى تركيا على متن الطائرة التي أهدتها قطر للولايات المتحدة -والتي تعرف باسم “في سي-25 بي بريدج VC-25B Bridge”- وكان مقررا أن تكون جزءا من أسطول الطائرات الرئاسية (إير فورس وان).
وقال مسؤولون إن ترمب سيعود إلى واشنطن عبر بريطانيا على متن طائرة رئاسية أقدم، بسبب مخاوف أمنية، وفقا لعدة تقارير صحفية.
وبعد صعوده إلى الطائرة الأقدم، انتقل ترمب إلى طائرة عسكرية أمريكية أصغر حجما من طراز “سي – 32 أيه C-32A”، وفقا للتقارير، وتوجهت الطائرات الثلاث جميعها إلى بريطانيا، حيث التحق ترمب بالطائرة الرئاسية الحديثة، ثم واصل رحلته عائدا إلى الولايات المتحدة.
من جانبها، أفادت صحيفة الغارديان أن ترمب صعد بالفعل أمام كاميرات التلفزيون إلى الطائرة الرئاسية، قبل أن يُنقل سرا بعد دقائق، في حين طُلب من الصحفيين إبقاء ستائر النوافذ مغلقة أثناء الرحلة.
وطبقا للتفاصيل التي أوردتها الصحيفة، فقد وصلت الطائرة العسكرية البديلة التي تقل ترمب إلى قاعدة “ميلدنهال” التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في حدود الساعة 10:20 مساء، لتلحق بها بعد دقائق معدودة الطائرة الرئاسية التقليدية وعلى متنها الوفد الصحفي المرافق وموظفو الإدارة الأمريكية.
وفي قاعدة ميلدنهال، التُقطت صور لترمب وهو ينزل من الطائرة الرئاسية بعد أن جرى لم شمله بها سرًّا لإتمام مشهد الخداع، حيث ألقى التحية على القوات الموجودة بالقاعدة قبل أن يستقل طائرة البوينغ 747 لمواصلة رحلة العودة إلى واشنطن.

مزايا الطائرة القديمة
ووفقا لموقع أكسيوس، فإن طائرات “في سي-25 أيه” القديمة، التي ظلت في الخدمة منذ تسعينيات القرن الماضي باعتبارها الطائرة الرئاسية الأساسية، مصممة للتعامل مع مجموعة واسعة من الأخطار تشمل حمايتها من النبضات الكهرومغناطيسية، وتدريعا بالمواد المقاومة للمقذوفات، وأنظمة اتصالات آمنة ومتقدمة تجعلها مركز قيادة متنقلا في حالات الطوارئ.
كما تمتلك الطائرة أنظمة دفاعية تساعدها في رصد التهديدات، إضافة إلى قدرات للتزود بالوقود جوا، ويمكن أن ترافقها طائرات مقاتلة عند الضرورة.
ونقل الموقع عن وكالة أسوشيتد برس ونيويورك تايمز أن الطائرة الجديدة تفتقر إلى بعض القدرات المتقدمة المضادة للصواريخ الموجودة في الطرازات السابقة. وأشار خبير أمني -بحسب أكسيوس- إلى غياب نظام مضاد للصواريخ يعتمد على الليزر لحماية الطائرات الكبيرة من بعض التهديدات.
ومع ذلك، أكدت القوات الجوية الأمريكية أن الطائرة الجديدة خضعت لتعديلات واختبارات أمنية واسعة، وقالت إن الطائرة “آمنة ومؤمّنة ومجهزة بأحدث التقنيات اللازمة لتلبية متطلبات الرحلات الرئاسية”.
تشير التقارير إلى أن الاستخبارات الأمريكية كانت قد تلقت معلومات اعتُبرت جدية بشأن احتمال استهداف الطائرة الرئاسية، في وقت كانت فيه الولايات المتحدة تنفذ ضربات عسكرية كبيرة لإيران
صحيفة الغارديان
هل كان ترمب مستهدفا؟
أكد ترمب بنفسه، الثلاثاء، أنه أجرى عملية تبديل الطائرة، لكنه قدم تفسيرا لافتا لمستوى الأخطار، وقال للصحفيين -بحسب الغارديان- “أعتقد أن الطائرة التي أقلتني كانت في الواقع أكثر عرضة للخطر”.
وأضاف أن الطائرة التي استقلها ربما كانت أكثر عرضة للاستهداف لأنها، من وجهة نظر المهاجمين، قد تكون الطائرة التي يُعتقد أن الرئيس موجود على متنها. وعندما سُئل عن القرار، قال ترمب إن الأمر يعود إلى جهاز الخدمة السرية الأمريكي والجيش: “أنا فقط أتبع ما يريدونه”.
وتأتي هذه التصريحات في حين تشير التقارير إلى أن الاستخبارات الأمريكية كانت قد تلقت معلومات اعتُبرت جدية بشأن احتمال استهداف الطائرة الرئاسية، في وقت كانت فيه الولايات المتحدة تنفذ ضربات عسكرية كبيرة لإيران، مما رفع المخاوف من انتقام إيراني.
وفي مناسبة أخرى، وعندما سُئل عما إذا كان هناك تهديد إيراني موثوق به لـ”إير فورس وان”، قال: “أتعرض لتهديد طوال الوقت. أنا رقم واحد على قائمتهم”.

هل تحولت الطائرة إلى طُعم؟
وقد أثارت تفاصيل العملية غضبا واسعا في الأوساط السياسية والإعلامية داخل الولايات المتحدة، حيث وُجهت اتهامات مباشرة للبيت الأبيض باستخدام المرافقين والصحفيين كـ”طُعْم بشري” لتأمين خروج الرئيس.
ونقلت الغارديان عن ستيفن كاش، المدير التنفيذي لمنظمة “ستيدي ستيت” (Steady State) والضابط السابق في وكالة الاستخبارات المركزية، قوله: “يبدو أن الفكرة كانت تقليل الخطر على الرئيس ترمب من خلال التضحية بنحو 100 شخص ليقتلهم الإيرانيون بدلا منه”.
أما السيناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنتال فوصف العملية بأنها “غير مسبوقة وسريالية” و”مخيفة للغاية”، وطالب بإحاطة للكونغرس لمعرفة التدابير التي اتُّخذت لحماية الموجودين على الطائرة التي اعتبرت خطرة بما يكفي لإبعاد الرئيس عنها.
اقرأ أيضا: حرب أدوية السمنة تتصاعد.. إيلي ليلي تقاضي 6 شركات أميركية
وتساءل بلومنتال بصورة أساسية: إذا كانت الطائرة خطرة على الرئيس، فما الإجراءات التي اتخذت لضمان سلامة الموظفين والصحفيين الذين بقوا عليها؟
ويذهب الجدل إلى أبعد من ذلك، إذ أشار كاش إلى ما يعرف بالتوجيه الاستخباري الأمريكي (آي سي دي 191 ICD 191) المتعلق بواجب التحذير، الذي يفرض، في ظروف معينة، تحذير الأشخاص الذين يمثلون أهدافا محددة وموثوقا بها للقتل أو الإصابة الخطيرة أو الاختطاف. واعتبر أن السؤال الأساسي هو ما إذا كان الموجودون على الطائرة قد أُبلغوا بالخطر.
في المقابل، دافع مسؤولون سابقون عن القرار. وقال آري فلايشر، المتحدث السابق باسم الرئيس الأسبق جورج بوش الابن، إن جهاز الخدمة السرية والقوات الجوية والبيت الأبيض يستحقون التقدير إذا كانت التقارير صحيحة، لأن مهمتهم الأساسية، في حال وجود تهديد موثوق به، هي حماية الرئيس.

هل كان التهديد الإيراني مؤكدا؟
ورغم خطورة الإجراءات، لا يوجد حتى الآن كشف علني كامل عن طبيعة المعلومات الاستخبارية التي دفعت إلى اتخاذ القرار.
ونقلت الغارديان عن أنكت باندا، الباحث في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، قوله إن تنفيذ هجوم مباشر على الطائرة الرئاسية في هذه الظروف يعد أمرا “بالغ الصعوبة”، مشيرا إلى أن المسألة قد تتطلب عناصر سرية وأنظمة دفاع جوي محمولة.
كما رأى جيفري لويس، من معهد أبحاث السياسة الخارجية، أن إيران لا تمتلك صواريخ أرض-جو قادرة بسهولة على استهداف طائرة تقلع من أنقرة، وإن كان من الممكن نظريا استهداف طائرة على المدرج بصاروخ باليستي، وهو احتمال وصفه بأنه غير مرجح.
لكن جيمس جيفري، السفير الأمريكي السابق لدى تركيا ونائب مستشار الأمن القومي سابقا، اعتبر أن طبيعة العملية السرية تشير إلى أن أجهزة الأمن كانت تتعامل مع معلومات جدية. وقال إن ما حدث “غير معتاد تماما، ويشير إلى أنهم كانوا يملكون معلومات استخبارية جيدة جدا عن تهديد”.
وأعرب جيفري -وفق الغارديان- عن اعتقاده بأن المعلومة الاستخبارية ربما جاءت من إسرائيل، التي قال إن لديها قدرات استخبارية مكثفة تركز على إيران، “ولا تغامر بفبركة تهديد يتعلق بسلامة رئيس الولايات المتحدة”.
المناورة السرية في سماء أنقرة تكشف عن التداخل المعقد بين الهواجس الأمنية الشخصية للرئيس ترمب وتصاعد حدة الصراع الإقليمي مع طهران، وتضع الثقة بين الإدارة الأمريكية والإعلام على المحك
أزمة ثقة تتجاوز أمن الرئيس
المفارقة أن عملية التضليل نفسها ربما أصبحت جزءا من المشكلة. فحتى بعد انتهاء الخطر، استمر البيت الأبيض في تقديم الرواية التي تفيد بأن ترمب كان سيعود على متن الطائرة الرئاسية القديمة، بينما كان قد غادرها بالفعل.
وقال نيد برايس، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الأمريكي، إن الإدارة كان بإمكانها حماية الرئيس من دون الكذب على الصحفيين، مشيرا إلى أنه كان يمكن إبلاغ الصحفيين بوجود ترتيبات أمنية خاصة والطلب منهم عدم نشرها حتى يصبح الرئيس في مكان آمن.
كما قال مذيع شبكة سي إن إن، جيك تابر، إن حماية حياة الرئيس أمر أساسي، وإن الإدارات السابقة استخدمت الخداع في بعض الأحيان لحمايته، لكنه أشار إلى أنه لم يسبق للمسؤولين أن سمعوا باستخدام طائرة رئاسية ممتلئة بالموظفين والصحفيين “كطُعم” أثناء تهديد وشيك.
وأعرب خوسيه زامورا من لجنة حماية الصحفيين عن قلقه من أن الصحفيين يجب أن يُبلغوا بالتهديدات الأمنية الموثوق بها حتى يتمكنوا من اتخاذ قرارات واعية بشأن سلامتهم.
واستنادا لتقارير الصحف الثلاث، فإن هذه المناورة السرية في سماء أنقرة تكشف عن التداخل المعقد بين الهواجس الأمنية الشخصية للرئيس ترمب وتصاعد حدة الصراع الإقليمي مع طهران، لتتحول رحلة عودة دبلوماسية إلى سابقة أمنية وسياسية تفتح الباب واسعا أمام مساءلات مرتقبة في الكونغرس حول حدود استخدام التضليل وحماية المرافقين، وتضع الثقة بين البيت الأبيض والمؤسسات الصحفية أمام اختبار غير مسبوق في التاريخ الأمريكي المعاصر.
اقرأ أيضا: تزامناً مع اليوم العالمي للشباب.. جمعية بناء تنظم محاضرة «المحترفون بالعمل»
