
عمان – في نهاية كل شهر، تجلس أمل أمام أوراقها وتحاول توزيع دخل الأسرة بين الإيجار والطعام والملابس وفاتورة الكهرباء التي ارتفعت، وبعد كل ذلك يأتي بند لا تستطيع تجاوزه مهما حاولت؛ الدروس الخصوصية للغة العربية.
لديها طفلان، ولكل منهما درس خصوصي في المادة، مع معلمتين للغة العربية، وفاتورة تحسب حسابها منذ بداية الشهر. وما يرهقها أكثر أن طفليها يدرسان في واحدة من أفضل المدارس في عمان، وأنها حاولت كثيرا تحسين مستوى اللغة العربية لديهما بالتعاون مع المدرسة.
وتقول: “النتيجة واحدة، ما تزال القراءة ليست جيدة، وبالتالي ما تزال كتابتهما ليست جيدة، وحتى استيعاب الكلمات ومعانيها الفصيحة كذلك”.
وتبين أمل أن بعض المدارس تهتم بالشكل العام للمدرسة، وبترتيبها من ناحية القوة والمعدلات في الثانوية، أو بالأنظمة البريطانية وغيرها من أنظمة التعليم الدولي، في وقت قد يجري فيه التركيز بدرجة أقل على بعض الصفوف الأساسية والإعدادية، أو على مهارات معينة يفترض أن يكتسبها الطالب في مراحل مبكرة.
وتكون النتيجة، بحسب أمل، تدني استيعاب الطالب لمهارات أساسية، مؤكدة أن عدد من هذا الجيل يعاني إما ضعفا في اللغة العربية أو في اللغة الإنجليزية، وفي النهاية يتحمل الأهالي الكلفة من خلال دفع رسوم مدارس خاصة، ثم إضافة فاتورة أخرى للدروس الخصوصية.
ما تعيشه أمل ليس استثناء في الأردن ولا أمرا جديدا على الأهالي. فلطالما لجأت الأسر إلى الدروس الخصوصية، خصوصا في المرحلة الثانوية، لمساعدة الطلاب المتعثرين أو المقبلين على امتحانات مصيرية. لكن المشهد تغير اليوم، إذ تحولت الدروس الخصوصية في كثير من الحالات من خيار للطلاب المتعثرين إلى ضرورة يومية يتكبدها أولياء الأمور من مختلف الشرائح الاجتماعية.
وتقول المرشدة النفسية والتربوية رائدة الكيلاني إن الأهل لا يدفعون فاتورة إضافية لأن أبناءهم فاشلون، بل لأنهم لم يعودوا يثقون بأن المدرسة وحدها كافية.
وترى أن هذا الشعور، سواء كان مبررا أم لا، أفرز سوقا قائما على الحاجة إلى تحسين نوعية التدريس، حتى عندما يكون الأهل قد وضعوا أبناءهم في مدارس تعد من الأقوى.
وتضيف الكيلاني أن الضغط النفسي الذي يعيشه الطالب الذي ينهي يومه المدرسي ليبدأ جولة ثانية من الدروس الخصوصية أمر حقيقي وملموس. كما يواجه بعض الطلاب المشكلة نفسها خلال العطلة الصيفية، إذ لا يشعرون بأنهم ابتعدوا فعليا عن الدراسة والواجبات.
وتقول إن كثيرا من حالات التوتر والإرهاق الدراسي التي تصل إليها في جلساتها ترتبط مباشرة بهذا النمط المكثف.
وتبين الكيلاني أن الطلاب يعيشون ضغوطا دراسية طوال العام، ولا يجدون وقتا كافيا لقضاء وقت فراغ أو الحصول على الراحة، ومع ذلك قد لا يكونون ملمين بجميع المهارات المطلوبة منهم. وترى أن السبب الحقيقي وراء ذلك غير معروف في كثير من الحالات، لافتة إلى أن النتيجة في النهاية يتحملها الطالب وأهله، رغم وجود تقصير في بعض المنظومات التعليمية.
في المقابل، يرى اختصاصي علم الاجتماع الدكتور حسين خزاعي أن ما يحدث اليوم في عالم التدريس، وما يحصل عليه الطالب من تعليم، ومع ذلك يبقى متعثرا في بعض المواد، يحتاج إلى دراسة حقيقية وتغيير جذري في منظومة التدريس.
ويقول: “إن الدروس الخصوصية في أصلها لم تكن مشكلة، بل كانت حلا مؤقتا للطالب المتعثر، لكنها تحولت اليوم إلى نظام اضافي مطلوب إلى جانب التعليم الرسمي”.
ويضيف خزاعي أن هذا التحول يعكس أزمة كبيرة، وأن محاولة الأهل تعويض هذا العجز بالمال تنتج معادلة غير عادلة؛ فالطالب القادر ماديا يحظى بفرصة مضاعفة، بينما يتأخر الطالب غير القادر، ليس بسبب قدراته، بل بسبب قدرة أسرته المالية.
ويلفت إلى أن غياب إحصاءات رسمية عن حجم هذا السوق يجعل من الصعب التعامل معه من خلال سياسات واضحة.
وتتجلى هذه المعادلة بشكل لافت في الفجوة بين القطاعات التعليمية. ففي السابق، كان الطالب في المدارس الخاصة يحظى بساعات دعم إضافية داخل المدرسة، بينما يلجأ طلاب المدارس الحكومية إلى المعلم الخصوصي لتعويض ما لا تقدمه المدرسة أو ما لا يستطيعون استيعابه في صفوف مكتظة.
أما اليوم، فحتى الطالب في المدارس الخاصة ما يزال يحتاج إلى دروس خصوصية ليكون كفؤا لسنة دراسية كاملة، وهو ما يعيد طرح السؤال حول الدور الذي يفترض أن تؤديه المدرسة في الأصل.
أما المعلمة الخصوصية سلام ديب، التي تدرس مادة اللغة الإنجليزية منذ اثنتي عشرة عاما، فترى المشهد من الداخل بنظرة مغايرة.
وتوضح أن اللجوء إلى الدروس الخصوصية لا يرتبط دائما بضعف الطالب أو بضغط الأهل، فهناك ضعف حقيقي يلمسه بعض الطلاب حتى في المدارس الخاصة، كما هو الحال في المدارس الحكومية، وإن اختلفت أسبابه من طالب إلى آخر.
فازدحام الصفوف، وتفاوت مستويات الطلاب، وسرعة المناهج، وقلة الوقت المخصص لمتابعة الفروق الفردية، كلها عوامل قد تجعل الطالب يخرج من الحصة وهو لم يفهم المادة بالشكل الكافي.
وتقول: “إن بعض الطلاب، رغم التحاقهم بمدارس خاصة، يحتاجون إلى شرح إضافي لأن المشكلة ليست دائما في مستوى المدرسة، بل في قدرة الطالب على استيعاب المادة ومواكبة المنهج”.
وترى أن ما تغير بعد جائحة كورونا هو أن هذا الضعف أصبح أكثر وضوحا، بعدما اعتاد كثير من الطلاب على التعلم عن بعد وفقدوا جزءا من مهارات الاعتماد على أنفسهم في الدراسة. لذلك، أصبح الدرس الخصوصي بالنسبة لبعض الأسر وسيلة لتعويض الفجوات التعليمية، وليس مجرد خيار احتياطي أو استجابة لضغط اجتماعي.
وتربط الكيلاني هذه الظاهرة بمفهوم “قلق الإنجاز” الذي يصيب الأهل قبل الأبناء. فالأهل في مجتمعاتنا يحملون ضغطا اجتماعيا هائلا مرتبطا بنجاح أبنائهم الأكاديمي، وأصبح الدرس الخصوصي الوسيلة الأكثر قبولا اجتماعيا للتعبير عن هذا القلق.
وتحذر من تأثير هذا النمط على الطفل نفسه، إذ يتعلم تدريجيا أنه لا يستطيع الفهم وحده، وهو ما يضرب الثقة بالنفس من الجذر، ويصنع طالبا يبحث دائما عمن يشرح له بدلا من أن يبني قدرته على الفهم المستقل.
أما أمل، فلا تعرف متى ستتوقف عن الدفع. فهي تتوقع أن تستمر الدروس الخصوصية مع طفليها حتى الوصول إلى مرحلة التوجيهي، لأنها ترى أنهما يحتاجان إليها، لكنها تعرف في الوقت نفسه أن الفاتورة ستتضاعف مع ارتفاع مستوى المواد ومتطلبات المرحلة.
وبين فاتورة المدرسة وفاتورة الدروس الخصوصية، تجد الأسرة نفسها أمام تعليم تدفع كلفته مرتين؛ مرة للحصول على التعليم داخل المدرسة، ومرة أخرى لتعويض ما لم يحصل عليه الطالب فيها. وبينما يبحث الأهالي عن أفضل فرصة لأبنائهم، يبقى السؤال مفتوحا: “هل أصبحت الدروس الخصوصية مدرسة داخل المدرسة، أم أنها أصبحت جزءا من النظام التعليمي الذي لا يستطيع كثير من الطلاب الاستغناء عنه؟”.
اقرأ أيضا: من هو الشيخ أحمد الأسير؟ وهل يشمله العفو العام في لبنان؟
