(ترجمة بتصرّف لمقال منشور بالإنجليزية على مدوّنة إيران أناليتيكا في التاسع من آب الحالي).
اقرأ أيضا: السلام الآن”: حكومة الاحتلال تمضي نحو ضم فعلي للضفة.. وسموتريتش: “هذه مجرد البداية
في السابع من شهر آب الحالي، التقى قادة كلٍ من السعودية وباكستان وتركيا في قصر الصفا في مدينة مكّة المكرّمة، في لقاء حمل عنوان «قمة مكة المكرمة للدفاع المشترك»، وأصدروا بيانًا مقتضبًا، لكنّه تضمّن التزامًا مهمًا بالدفاع المتبادل.
تهدف الاتفاقية إلى تعزيز الردع الجماعي ضد أي عمل عدواني، وتنص على أن أي هجوم مسلّح ضد أي من الدول الثلاث سيُعتبر هجومًا عليها جميعًا. كما تنص على تعزيز التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث. ويستند البيان في هذه الاتفاقية إلى الروابط التاريخية العريقة، وأواصر الأخوة والتضامن الإسلامي، والمصالح الاستراتيجية المشتركة، وأنماط التعاون الدفاعي الراسخة.
أكدت الحكومات الثلاث بشدة على أن الاتفاقية غير موجهة ضد أي طرف. وقال نائب الرئيس التركي إنها لا تستهدف أي دولة محددة، بينما وصفها مسؤول تركي آخر بأنها دفاعية بحتة وأنها لا تُغيّر من الاتفاقيات الحالية للموقعين مع الدول الأخرى. ومن الجانب السعودي، قال نائب وزير الخارجية للدبلوماسية العامة إن الاتفاقية لا تشكل محورًا عسكريًا ولا تكتلًا طائفيًا وليست مرتبطة بالطموحات النووية أو سباق التسلح.
لم تقدم طهران أي تعليق رسمي يوم التوقيع. بينما نشر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي رسالة يدعو فيها الدول الإسلامية إلى الوقوف معًا، ووصف اللحظة بأنها فرصة للاعتماد على النفس فقط وتبني الأخوة الحقيقية، رغم أنه لم يوضح ما إذا كان يشير إلى الاتفاقية الثلاثية.
لكن أعقبت ذلك انتقادات أكثر مباشرة؛ حيث كتب إبراهيم رضائي، عضو لجنة الأمن القومي بالبرلمان، أن «اتفاقًا ورقيًا مع تركيا وباكستان لن يجلب للسعوديين أي أمن، تمامًا كما فشلت سنوات من الاعتماد أحادي الجانب على الولايات المتحدة في تحقيق ذلك»، وحثّ الرياض على تصحيح سياساتها حتى لا تعود بحاجة إلى السعي للحصول على الأمن من الآخرين. أمّا بين المسؤولين السابقين والمحللين، فكانت ردود الفعل أكثر موضوعية وفي عدة حالات أكثر قلقًا.
تحالف أنتجته الحرب
أبرز ما يلفت النظر في نقاش المحللين الإيرانيين للاتفاق هو مدى ضآلة الخلاف حول الأسباب الكامنة وراء الاتفاقية. فبغض النظر عن التوجهات الأيديولوجية، يرى المراقبون الإيرانيون أن اتفاقية مكة هي نتاج للتحول الإقليمي الذي بدأ في 7 أكتوبر وتسارعت وتيرته بسبب الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران. ويحمل التوقيت الكثير من المعاني؛ أتت الاتفاقية بينما الحرب بلا حلّ رسمي بعد، فمضيق هرمز مغلق، وعلى مدى الشهور الفائتة تعرّضت السعودية لهجمات بالمسيّرات والصواريخ من اتجاهات متعددّة، بينما تعرضت صادراتها النفطية وأجندتها التنموية للخطر.
كما نشأت الاتفاقية من نمط تعاون قائم بالفعل. فاتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك بين السعودية وباكستان الموقعة في أيلول 2025، بعد أيام فقط من الضربة الإسرائيلية على الدوحة، أرست الصيغة التي تتوسع الآن في اتفاقية مكة لتشمل تركيا. وحتى ربيع 2026، التقى وزراء خارجية السعودية وتركيا وباكستان ومصر مرارًا في محاولة لتشكيل مخرج دبلوماسي من الحرب. وما بدأ كتنسيق دبلوماسي تطوّر مع الوقت إلى التزام أمني. غابت مصر عن الاتفاقية النهائية، رغم أشهر من المشاركة في تلك المشاورات، وإن كان وزير الخارجية التركي قد صرح بأن القاهرة يمكن أن تنضم إلى الاتفاقية بمجرد حل القضايا الفنية المتبقية.
يعزو المحلل مصطفى نجفي الاتفاقية إلى تحول في تصورات [الدول الموقّعة] للتهديدات الإقليمية. فقد أدّت التطورات منذ أكتوبر 2023 -بما في ذلك محاولة «إسرائيل» فرض هيمنتها الإقليمية، والحرب الأخيرة على إيران، وظهور الأخيرة أكثر حزمًا- إلى جعل الدول العربية أكثر وعيًا بانكشافها ضمن النظام الأمني الحالي. لقد استثمرت الرياض لعقود في شراكتها الأمنية مع واشنطن، لكنها استنتجت أن الاعتماد على راعٍ خارجي واحد لا يوفر سوى حماية محدودة في ظلّ الصراع الإقليمي. وبالتالي، فإن اصطفاف الرياض مع أنقرة وإسلام أباد يشكل جزءًا من استراتيجية لتنويع شراكاتها الأمنية ومعالجة ميزان التهديدات الذي يميل بشكل متزايد ضدها فيما يتعلق بكل من إيران و«إسرائيل».
ويطور صابر غل عنبري هذه النقطة على محور مشابه مع إعطاء وزن أكبر لإيران. فهو يجادل بأنه على مدى السنوات الثلاث الماضية، جعلت الحروب في غزة ولبنان وسوريا ونمط التوسعية الإسرائيلية من «إسرائيل» الشاغل الرئيس لمعظم الأطراف الإقليمية، باستثناء الإمارات. ورغم أن هذه المخاوف لا زالت قائمة إلّا أن التوجس من إيران قد تعمّق بالتوازي. ويحدد ثلاثة أهداف سعودية: الأول هو الردع الجماعي؛ إذ تفترض الرياض أن التوترات الإقليمية ستستمرّ وأن المملكة قد تنجر إلى مواجهة خطيرة، وبالتالي فإنها تسعى إلى مظلة ترفع تكلفة المواجهة على إيران وتحمي البنية التحتية السعودية. الثاني يتعلق ببناء نظام إقليمي أكثر استقلالية، مستندًا إلى استنتاجيْن سعوديين مستخلصين من الحرب؛ وهما أن إيران نجت من خطر الانهيار، وأن سياسة الاحتواء الأمريكية لإيران فقدت فعاليتها. أمّا الثالث فيتعلق باليمن؛ حيث يهدف الاتفاق إلى تشكيل أداة لاحتواء رد الفعل الإيراني في مواجهة التصعيد المحتمل على الجبهة اليمنية.
يصل الأستاذ الجامعي حسين مهديان إلى النتيجة ذاتها من خلال عدسة هيكلية أكثر. فهو يعامل الاتفاقية كخطوة أولى نحو بنية أمنية إقليمية محلية أقل اعتمادًا على الولايات المتحدة، مؤكدًا على تكامل بين قدرات الدول المعنية؛ تركيا بجيشها الذي يعدّ من بين الأكبر في حلف الناتو، والسعودية بثقلها المالي ومواردها الطاقية وموقعها الجيوسياسي، وباكستان بقوّتها العسكرية ورادعها النووي. ويذهب مهديان أبعد من معظم المحللين في توسيع الجغرافيا، مجادلًا بأن المعاهدة تخلق إمكانية لمحور يضم «الأناضول-شبه الجزيرة العربية-شبه القارة الهندية» مع ما يترتب على ذلك من تداعيات على منطقة الخليج والبحر الأحمر وبحر العرب، وحتى التوازن بين الهند وباكستان.
رغم اختلاف زوايا النظر، تتلاقى هذه التحليلات عند نقطة أساسية: تعكس اتفاقية مكة الظروف الإقليمية المتغيرة، وتستجيب بشكل مباشر للحرب، وتشكل جزءًا من جهد أوسع تبذله دول المنطقة لتحمل مسؤولية أكبر عن أمنها. ويتفق المحللون الإيرانيون بشكل عام على هذا التشخيص. لكنهم يختلفون حول ما تهدف الاتفاقية لتحقيقه.
تطويق أم هندسة أمنية؟
السؤال المركزي الذي يقسم المحللين الإيرانيين هو ما إذا كان هذا الترتيب موجهًا ضد إيران، وإذا كان الأمر كذلك، فما هي فاعليته ومتى يتحوّل إلى استهداف؟
تأتي القراءة الأكثر إثارة للقلق من المعلقين الأقرب إلى الفصيل المتشدد في إيران، والذين يرفضون فكرة أن الدول الموقعة الثلاث معنية في المقام الأول بـ«إسرائيل». بالنسبة للسعودية، كما يجادلون، يشكل اليمن -وبالتالي إيران- تهديدًا أكثر إلحاحًا بكثير من «إسرائيل». وبالنسبة لتركيا، يظل الاحتكاك مع «إسرائيل» مسألة طويلة الأمد وأقل إلحاحًا. أما باكستان فلا ترى أي تهديد يذكر من «إسرائيل»، نظرًا لوضعها النووي، وبُعدها عن المسرح الذي حددته «إسرائيل» كمنطقة عمليات لها، ومنافستها التقليدية مع الهند. من هذا المنظور، فإن الاتفاقية موجهة في المقام الأول نحو اليمن والحوثيين، بينما تعمل أيضًا كتحذير لإيران.
يشير المتبنون لوجهة النظر هذه إلى التطورات على الأرض؛ فقد أفادت تقارير باستخدام طائرات مسيرة تركية ضد الحوثيين، بينما أدانت كل من أنقرة وإسلام أباد هجمات الحوثيين على السعودية وانحازتا إلى الرياض. كما نشرت باكستان قوات في المملكة وأصدرت تحذيرات للحوثيين. ويطرح بعض المراقبين الإيرانيين احتمال التدخل الباكستاني المباشر، بما في ذلك العمليات البرية في اليمن. ويمدون هذه الحجة لتشمل العراق؛ حيث تحركت السعودية بالفعل إلى جانب الولايات المتحدة ضد فصائل الحشد الشعبي المتحالفة مع إيران، وتكثفت الضغوط الأمريكية على بغداد لنزع سلاح تلك الفصائل. وتحافظ تركيا على وجود كبير خاص بها في البلاد. وبالتالي فإن الضغوط المنسقة، وكذلك الحوافز المنسّقة الموجهة للحكومة العراقية، قد تشكّل قد تشكّل ثقلًا موازنًا للنفوذ الإيراني هناك.
كما تعزّز الجغرافيا هذا القلق؛ فتركيا تقع إلى الشمال الغربي من إيران، والسعودية إلى جنوبها الغربي، وباكستان إلى جنوبها الشرقي. بالنسبة للمحللين الذين يميلون إلى هذه القراءة، فإن التنفيذ الفعال للاتفاقية يمكن أن يعمق العزلة الجيوسياسية لإيران ويعرّضها لضغوط من عدة اتجاهات في وقت واحد. استخدم المعلقون أنفسهم الاتفاقية لإعادة فتح نقاش داخلي حول اعتماد طهران على باكستان كقناة تواصل مع واشنطن. فقد جادلوا طويلًا بأن لإسلام أباد مصالح راسخة في تعاونها مع الولايات المتحدة وتعمل عمليًا كأداة للسياسة الإقليمية الأمريكية. وهم يقدمون الآن اتفاقية مكة كدليل يؤكد هذه النظرة.
يرفض مهديان ونجفي هذه القراءة دون التقليل من أهمية الاتفاقية. فيرفض مهديان التعامل مع المعاهدة على أنها تحالف مناهض لإيران بالضرورة أو بشكل حصري، مشيرًا إلى المواقف المتباينة للدول الموقعة. فقد عملت باكستان طوال الحرب لتجنب التورط في المواجهة مع إيران مع الحفاظ على دورها الوسيط. ولتركيا مصلحة مباشرة في منع وصول الصراع إلى العراق وسوريا وجنوب القوقاز وشرق البحر الأبيض المتوسط. أما السعودية، بعد أن تحملت ضغوط الحرب، فتسعى إلى تنويع ضماناتها الأمنية.
ويصل نجفي إلى نتيجة مماثلة عبر مسار مختلف، فبرأيه دخلت الدول الثلاث الاتفاقية بأهداف وحوافز متباينة، وتتشارك في مصلحة واحدة هي توسيع خياراتها الاستراتيجية ضمن بيئة إقليمية سريعة التغير. بالنسبة للرياض، تضيف المعاهدة طبقة من الأمن إلى جانب الشراكة الأمريكية؛ وبالنسبة لأنقرة، تعزز الاتفاقية مكانتها الإقليمية وتخلق توازنًا فيما يتعلق بـ«إسرائيل»؛ وبالنسبة لإسلام أباد، فهي تجمع بين العوائد الاقتصادية والمكاسب الأمنية بينما تستعيد باكستان مكانتها كقوة مؤثرة في العالم الإسلامي.
اقرأ أيضا: آلاء الربيحات تتصدر أوائل الطفيلة بالحقل الصحي وتحلم بدراسة الطب
التمييز بين هذين المعسكرين هو في النهاية تمييز بين قراءة الاتفاقية كتحالف وقراءتها كهندسة أمنية. يرى أحد المعسكرين كتلة تتشكل حول حدود إيران بأهداف قريبة المدى يمكن تحديدها. ويرى المعسكر الآخر البنية الأساسية لنظام أمني إقليمي لا يزال اتجاهه غير ثابت وقد تقع أهم عواقبه خارج الملف الإيراني تمامًا.
المسافة بين بنود الاتفاقية والممارسة العملية
يتساءل خبراء مثل نجفي عن المدى الذي سيتم به الالتزام بالاتفاقية؛ بمعنى هل ستدخل تركيا وباكستان بالفعل في حرب ضد إيران إذا تعرضت السعودية لهجوم من طهران؟
الإجابة مشككة في كلتا الحالتين. فتركيا -بغض النظر عن عمق تنافسها مع إيران- ليس لديها مصلحة في الدخول بحرب مباشرة وواسعة النطاق مع طهران، وتفضل الحفاظ على مساحة للمناورة بين إيران والسعودية و«إسرائيل» والولايات المتحدة. وتشير القيود الاقتصادية والأمنية لباكستان إلى الاتجاه ذاته. في سيناريو تهاجم فيه إيران السعودية، من المرجح أن تكون ردة الفعل الباكستانية والتركية في المساحة ما بين «التقاعس والتدخل»، متخذة شكل الدعم السياسي، والتعاون الاستخباراتي، والمساعدة اللوجستية، وتوريد الأسلحة. لذلك تكمن أهمية تحالف مكة في مساهمته الرمزية في الردع أكثر من كونه آلية للدخول المشترك في الحرب. على هذا الأساس يرفض نجفي القياس على حلف الناتو؛ فما أنشأته الدول الثلاث هو تحالف توازن يسعى فيه كل طرف إلى توسيع مساحة المناورة الخاصة به.
وهنا يصبح الإطار الأوسع حول النظام الإقليمي ذا صلة. لا تزال الولايات المتحدة القوة الخارجية الأكثر تأثيرًا في المنطقة، ومع ذلك فقد أصبح الاعتماد الكامل على واشنطن محفوفًا بالمخاطر بالنسبة للعديد من دول المنطقة. وأثبتت «إسرائيل» عدم قدرتها على فرض نظام جديد، وتواصل إيران توليد ضغوط استراتيجية. في ظل هذه الظروف، يدخل الشرق الأوسط فترة من الترتيبات التوازنية المتعددة والمتداخلة والمرنة بدلًا من الكتل الثابتة، مع اصطفافات تتسم بطابع تعاونيّ وتستجيب للظروف بشكل متزايد. ويأتي الاختبار الحقيقي للاتفاقية عندما يواجه عضو هجومًا فعليًا، ومن المرجح أن تجنب التدخل المباشر من قبل تركيا وباكستان سيكشف عن حدود هذا الترتيب دون أن يؤدي بالضرورة إلى تفككه.
هناك حجتان مضادتان تستحقان الاهتمام في مواجهة هذا الاستنتاج المطمئن. الأولى تأتي من حسام الدين آشنا، المسؤول السابق في إدارة الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني، الذي يجادل بأن اتفاقية مكة تغير بشكل جذري الجو المحيط بالحرب. وسيكون تأثيرها الأكثر إلحاحًا هو الحد من مصداقية التهديدات الإيرانية ضد دول الخليج، مع خلق مسار يمكن من خلاله جرّ تركيا وباكستان إذا هددت إيران السعودية. فالردع يعمل على حسابات الطرف المستهدف، والتأثير الذي يصفه آشنا لا يتطلب التزامًا قتاليًا ليتحقق.
والثانية تتعلق بالأدوات المتاحة دون عتبة الحرب، وقد تكون هذه هي الملاحظة الأكثر أهمية في النقاش بأكمله. فقد أشار بعض المحللين الإيرانيين إلى أن جغرافيا الدول الموقعة الثلاث تفتح إمكانية لوجود بُعد بري إلى جانب الحصار البحري الذي تفرضه الولايات المتحدة بالفعل. فالطرق البرية عبر باكستان وتركيا تحمل أحجامًا كبيرة من التجارة الإيرانية، وقد نمت أهميتها بعد أن أصبحت قناة الإمارات التقليدية أكثر تعقيدًا في أعقاب الحرب. لن تضطر أنقرة وإسلام أباد إلى خوض حرب ضد إيران من أجل دعم الرياض؛ فتقييد التجارة الإيرانية أو إغلاق الحدود سيكون كافيًا. كما أن عدم التكافؤ يضاعف المشكلة؛ فقدرة إيران على الانتقام العسكري ضد تركيا وباكستان مقيدة أكثر بكثير مما هي عليه ضد دول الخليج، نظرًا لعضوية تركيا في الناتو وقدرات باكستان النووية. الردع -في هذه الصيغة- يعمل من خلال الانكشاف الاقتصادي الإيراني بدلًا من بنود الدفاع المشترك، ويعمل تحديدًا حيث لا تمتلك إيران قدرة على الرد بالمثل.
ويثير احتمال توسيع التحالف سؤالًا ذا صلة. فقد اقترح عبد الله رمضان زاده، المسؤول السابق في إدارة الرئيس محمد خاتمي، أن تأخذ إيران زمام المبادرة وتسعى للانضمام إلى الاتفاق الثلاثي، مؤطرًا اللحظة كفرصة لبناء ترتيب إقليمي بدون «إسرائيل». يعكس الاقتراح تطلّع طهران الطويل الأمد لنظام أمني إقليمي محلي، ويردد صدى اللغة التي استخدمها عراقجي يوم التوقيع. لكنه يتعارض أيضًا مع المنطق الذي أنتج الاتفاقية؛ فقد تشكل التحالف كنتيجة للحرب، وجزئيًا كجهد لاحتواء النفوذ الإيراني. التوسع لا يزال ممكنًا، ودول الخليج التي تعرضت للهجوم خلال الأشهر الخمسة الماضية هي المرشحة الأبرز للانضمام. وإذا أظهر الترتيب قيمة ردع حقيقية للسعودية ضد إيران أو شركائها الإقليميين، فقد تجد دول أخرى في مجلس التعاون الخليجي أسبابًا للانضمام. وهذا الاحتمال هو الحجّة الأبرز ضد احتمالية انضمام إيران للاتفاقية.
إذا ما نظرنا إلى مجمل النقاش الإيراني، فإننا نجد الكثير من نقاط التقارب. إذ يرى المحللون الإيرانيون عمومًا أن اتفاقية مكة تسجل تغييرًا حقيقيًا في الظروف الإقليمية، وأنها انبثقت من الحرب ونقاط الضعف التي كشفتها الحرب، وأنها تنتمي إلى مسار أطول نحو ترتيبات أمنية نابعة من المنطقة. أمّا نقطة التباين في تلك التحليلات فهي حول الاتجاه والجدول الزمني: هل يتشكل تحالفٌ ضد إيران بأهداف محددة في اليمن والعراق وفي نهاية المطاف ضد إيران نفسها، أم أنه إعادة اصطفاف هيكلي لا يزال توجهه النهائي غير محدد بشكل حقيقي؟
اقرأ أيضا: جو 24 : توفير الوقت في التداول: كيفية إغلاق جميع الصفقات دفعة واحدة في منصة MT5
