حقوق المرأة في تونس.. هل تخفي “نسوية الدولة” واقعا مختلفا؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

  • وهم حقوق المرأة في تونس

لطالما اعتادت السردية الرسمية والخطاب الرسمي في تونس على الترويج لما تسميه الاستثناء التونسي في مجال حقوق المرأة، وذلك منذ نيل تونس استقلالها واستغلال القضية النسوية من أجل تبرير شرعية دولة الاستقلال الوطنية، وتحديدا في عهدي الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، حتى إننا بتنا نتحدث عما يسمى بنسوية الدولة.

اقرأ أيضا: “العالم الإسلامي”: اعتراف كولومبيا بسيادة إسرائيل على الجولان مرفوض

إننا نجادل بأن قضية حقوق المرأة في تونس هي أداة وظيفية في يد النخبة الليبرالية، والفرنكوفونية منها؛ إذ نجد أن سياسات الدولة وخطابها النسوي لم تستفد منها النساء الريفيات وفي مناطق الظل في تونس، وذلك في سياق تهميش بين الجهات في تونس وقائم على ثنائية الساحل والداخل.

لقد بنى بورقيبة شرعيته وبرر استبداده باسم خطاب تحرير المرأة، وكأنه هو صاحب السبق، في حين أن الحراك النسوي تزعمه العديد من الإصلاحيين والكتاب والزيتونيين، أمثال الطاهر الحداد والثعالبي وغيرهم.

إن نسوية بورقيبة خاصة، والدولة الوطنية في تونس عامة، قامت على عملية مقايضة بين الحقوق السياسية للمرأة التونسية وحقوقها الاجتماعية

إن المرأة المتحررة في تونس يجب عليها أن تتطابق مع معايير الدولة الوطنية، بأن تكون فرنكوفونية تتبنى خطاب القومية التونسية البورقيبي، بحيث تطابق معايير دولة الاستقلال عما يجب أن تكون عليه المرأة: متحررة لا ترتدي الحجاب، لأن الحجاب لباس رجعي طائفي ليس له علاقة بالقومية التونسية، وإنما هو لباس مستورد من الآخر المشرقي والإسلاموي.

وباعتبارنا تونسيين، فإنه يجب علينا تغذية استثنائيتنا في محيطنا الإقليمي عن طريق التنكر لكل ما هو مشرقي، وإيهام المرأة التونسية بأنها تملك حقوقا أفضل مقارنة بالنساء الأخريات الإسلاميات والمشرقيات.

إن نسوية بورقيبة خاصة، والدولة الوطنية في تونس عامة، قامت على عملية مقايضة بين الحقوق السياسية للمرأة التونسية وحقوقها الاجتماعية. فالمرأة الصالحة في نسوية المؤسسة التونسية هي المرأة التي تتمتع بجميع الحقوق ما عدا حقها في معارضة الدولة، وكأننا إزاء نوع من الأبوية التي تفرضها الدولة على النساء.

لقد استفاد نظام بورقيبة من هذه السمعة النسوية، إذ وظفها من أجل الفوز بدعم غربي. فقد كان بورقيبة يخاطب الغرب بورقتين قويتين لدعم شرعيته، أولاهما موقفه المختلف من إسرائيل بدعوته إلى تقسيم فلسطين إلى أرض لليهود وأخرى للفلسطينيين، والثانية دعمه حقوق النساء الاجتماعية والفردية.

ومن المفارقة أن نجد المؤسسة النسوية في تونس تدعي تمكين المرأة اجتماعيا واقتصاديا، في حين أنها تعمل على إخضاعها سياسيا. ففي أفضل الأحوال، استُخدمت الورقة النسوية سياسيا من أجل ضرب الخصم الإسلامي، دون أن يتعدى الأمر تمكينا سياسيا حقيقيا.

إذ قامت الدولة الوطنية على قمع نسائها بشكل ممنهج، وكانت عمياء أيديولوجيا، بحيث لم تفرق في قمعها بين النساء الإسلاميات واليساريات على حد سواء. ونذكر في هذا السياق مجموعة من الناشطات اللاتي اعتُقلن ونُكّل بهن من قبل دولة سوقت للنسوية كأحد أعمدة شرعيتها، فنجد آمال بن عبا وزينب بن سعيد الشارني وراضية النصراوي، وغيرهن من الإسلاميات أمثال بسمة شاكر وغيرها.

إن قضية النساء العاملات في القطاع الفلاحي في تونس تكشف عن مدى هشاشة الخطاب النسوي وانحيازه الطبقي والسياسي، الأمر الذي يستدعي مجموعة من المراجعات النقدية التي من شأنها أن تعمل على تحقيق رفاهية حقيقية لجميع النساء في تونس

لقد كانت هذه النسوية “الأبوية” تعمل على تشكيل النساء وفقا لرغباتها وتصوراتها، وتعمل على احتكار التكلم باسم النساء وحقوقهن. ولم تقتصر هذه المفارقة على الجانب السياسي فقط، بل امتدت لتشمل حتى الجانب الاقتصادي والاجتماعي، لتفضح النظرة الطبقية والليبرالية في الخطاب النسوي الرسمي.

اقرأ أيضا: ذروة شهب البرشاويات تُضيء سماء المملكة ليلتي 12 و13 أغسطس

فغالبا ما كان خطاب الدولة يصور النساء الريفيات مساهمات في الاكتظاظ السكاني وأهدافا للتدخلات التنموية، وأرادت تلك البرامج تثقيف النساء في تنظيم الأسرة وسيلة للتنمية الاقتصادية، وهي سياسات تتجاهل الخصائص الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات الريفية، وتفرض عليها أنماطا مستوردة من المناطق الحضرية.

لم تكن فرص النساء الريفيات متساوية يوما مع فرص النساء في الحواضر الكبرى -وأقصد هنا الساحل- بل كانت النساء الريفيات غير معنيات أصلا بالخطاب النسوي الرسمي. ونجد أن هذه التراكمات من التهميش واللامبالاة، بل والاحتقار الطبقي، تطورت لتظهر لنا بين كل فينة وأخرى في شكل مآس متعلقة بالعاملات الفلاحيات في تونس، اللاتي يتقاضين حتى الآن أجورا أقل بكثير من نظرائهن الذكور.

علاوة على بيئة العمل القاسية التي يعملن فيها، والتي دفعتهن لها ظروفهن المعيشية البائسة؛ ولذلك أصبحنا نتحدث عما يسمى في تونس “بشاحنات الموت”، التي تكون سببا متواترا في موت النساء العاملات في القطاع الفلاحي.

إن معظم العاملات في هذا القطاع ينتمين لمناطق هشة ومهمشة اقتصاديا واجتماعيا من قبل دولة الاستقلال، التي سعت إلى بناء نهضتها على أساس التفرقة بين الساحل والداخل، وصولا إلى غياب الحماية القانونية لهن، كتجريم نقل العاملات في شاحنات غير مطابقة لمعايير السلامة، وإدراجهن في نظام الحماية الاجتماعية والتأمين ضد حوادث الشغل.

إذ شهد يونيو/حزيران الماضي حادث وفاة عاملتين وإصابة 13 في انقلاب سيارة كانت تقل مجموعة من العاملات الفلاحيات في معتمدية مزونة من ولاية سيدي بوزيد، التي تُعد من أفقر المناطق في تونس، والتي شهدت بسبب التهميش حادثة هزت المجتمع التونسي إثر سقوط جدار مدرسة على مجموعة من التلاميذ، ما أدى إلى وقوع وفيات في أوساطهم.

إن قضية النساء العاملات في القطاع الفلاحي في تونس تكشف عن مدى هشاشة الخطاب النسوي وانحيازه الطبقي والسياسي، الأمر الذي يستدعي مجموعة من المراجعات النقدية التي من شأنها أن تعمل على تحقيق رفاهية حقيقية لجميع النساء في تونس.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

اقرأ أيضا: شهب ونيازك فى الفيوم.. تفاصيل ظاهرة تحدث مرة واحدة سنويا بمحمية وادى الريان.. أستاذ جيولوجيا: الظاهرة ترصد بكاميرات فلكية ولاترى بالعين المجردة.. وزخات الشهب تضع الفيوم على خريطة السياحة الفلكية.. صور

‫0 تعليق