Published On 11/8/2026
اقرأ أيضا: مخالفات التراخيص تتصدر جولات الطاقة
أقدمت الأمريكية ليندسي كلانسي على قتل أطفالها الثلاثة، كورا (5 أعوام) وداوسون (3 أعوام) وكالان (8 أشهر)، في منزل الأسرة بولاية ماساتشوستس، قبل أن تحاول الانتحار بالقفز من نافذة المنزل في يناير/كانون الثاني 2023. وأُصيب زوجها الذي كان خارج المنزل بصدمة لدى عودته واكتشافه ما حدث.
وبعد أكثر من 3 أعوام على الواقعة، تتجه محاكمتها إلى الجانب الطبي من القضية، بعدما ركز محامي الدفاع على طبيبتها النفسية، متسائلا عن مدى كفاية الرعاية التي تلقتها كلانسي خلال الأشهر التي سبقت قتل أطفالها.

وفي جلسة الاثنين، استجوب محامي الدفاع الطبيبة جنيفر تافتس بشأن طريقة علاج الأم، التي كانت تتابع معها عبر جلسات بالفيديو منذ سبتمبر/أيلول 2022 حتى اليوم السابق لوفاة أطفالها.
وركز الاستجواب على جلسات علاج استمرت نحو 25 دقيقة، واعتماد الطبيبة على نماذج إلكترونية لتوثيق ملاحظاتها، إضافة إلى سلسلة من الأدوية النفسية التي جرى تغييرها مع استمرار كلانسي في الإبلاغ عن أعراض جانبية ومشكلات في النوم والقلق. ويرى الدفاع أن هذه الرعاية لم تكن كافية لمريضة كانت حالتها النفسية تتدهور.
لكن تافتس قالت أمام هيئة المحلفين إنها لم ترَ لدى الأم مؤشرات على الذهان، وإن المريضة لم تخبرها بأنها تسمع أصواتا أو تعتزم إيذاء نفسها أو أطفالها. وأضافت أن كلانسي كانت تتحدث أحيانا عن اليأس واقترابها من الشعور برغبة في الانتحار، لكنها لم تذكر وجود خطة لذلك أو لإيذاء أي شخص.
وتأتي شهادة الطبيبة في وقت يحاول فيه الدفاع إثبات أن كلانسي كانت تعاني اضطرابا نفسيا شديدا، وأن حالتها لم تُشخَّص أو تُعالَج على النحو المناسب، في حين تتمسك النيابة بمسؤوليتها الجنائية عن قتل أطفالها.

كيف بدأت القصة؟
كانت كلانسي -وهي ممرضة سابقة في قسم الولادة- قد بدأت تعاني مشكلات نفسية بعد ولادة طفلها الثالث.
وبحسب ما عرضته المحكمة، شملت الأعراض القلق الشديد والأرق والشعور بالإرهاق والارتباك، وتفاقمت حالتها في الأشهر السابقة للجريمة. وتلقت علاجا من أكثر من مختص، وجُرّبت معها أدوية مختلفة، قبل أن تدخل مستشفى ماكلين للأمراض النفسية في مطلع يناير/كانون الثاني 2023 وتمكث فيه أياما.
خرجت الأم من المستشفى في 5 يناير/كانون الثاني، أي قبل 19 يوما من قتل أطفالها، وعادت إلى المتابعة مع طبيبتها النفسية. وفي اليوم السابق للجريمة، ظهرت في جلسة عبر الفيديو وهي مكتئبة، وتحدثت عن انعدام الدافع ونوبات من القلق وتسارع ضربات القلب، لكنها لم تعطِ الطبيبة -وفق شهادتها- أي مؤشر على أنها تخطط لإيذاء نفسها أو أطفالها.
وفي 24 يناير/كانون الثاني، عثرت الشرطة على جثث أطفالها الثلاثة في منزل الأسرة بمدينة دوكسبوري في ولاية ماساتشوستس.
وتقول النيابة إن كلانسي قتلت أطفالها عمدا بعدما طلبت من زوجها آنذاك باتريك مغادرة المنزل لإنجاز بعض المهام، بينما لا ينازع الدفاع في أنها قتلتهم، لكنه يقول إنها لم تكن مسؤولة جنائيا عن أفعالها بسبب حالتها النفسية. وبعد الواقعة حاولت كلانسي الانتحار، وأصيبت بالشلل من الخصر إلى الأسفل.
حالة مصرية مشابهة
تعيد قضية كلانسي إلى الأذهان حادثة وقعت في مصر عام 2022، عندما أقدمت أم في قرية منية النصر بمحافظة الدقهلية على قتل أطفالها الثلاثة ثم حاولت الانتحار.
وأفادت تقارير محلية آنذاك بأن الأم تحدثت عن إصابتها باكتئاب شديد بعد ولادة طفلها الأخير، وأقرت أمام النيابة بارتكاب الجريمة، في واقعة دفعت إلى تسليط الضوء على اضطرابات الصحة النفسية التي قد تعقب الولادة وأهمية التعامل معها باعتبارها حالات مرضية تستدعي التشخيص والعلاج والمتابعة.
اكتئاب ما بعد الولادة ليس ذهانا
تسلط القضية الضوء على أهمية التمييز بين الاضطرابات النفسية المختلفة التي قد تظهر في الحمل أو بعد الولادة.
فاكتئاب ما بعد الولادة قد يظهر في صورة حزن مستمر وفقدان الدافع، واضطراب النوم والشهية، والقلق، والشعور بالذنب أو اليأس، وقد تصل الأعراض لدى بعض النساء إلى أفكار انتحارية.
وتوصي الكلية الأمريكية لأطباء النساء والتوليد بتقييم اضطرابات الصحة النفسية أثناء الحمل وبعد الولادة، بما في ذلك الاكتئاب والقلق واضطراب ثنائي القطب وأعراض الذهان.
أما ذهان ما بعد الولادة فهو حالة مختلفة وأكثر ندرة وخطورة، ويمكن أن تتطور سريعا في الأيام أو الأسابيع الأولى بعد الولادة. وقد تشمل أعراضه الهلاوس والأوهام والارتياب والارتباك وتغيرات حادة في المزاج والسلوك.
اقرأ أيضا: حاكم الشارقة: التقسيم الإداري لخورفكان مكتمل وسنعلن عنه قريباً
وتقدّر هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية حدوث هذه الحالة لدى نحو أم واحدة من كل ألف امرأة تلد، وتصفها بأنها حالة طبية طارئة تستدعي تدخلا نفسيا عاجلا. كما تشير الكلية الأمريكية لأطباء النساء والتوليد إلى أن الذهان التالي للولادة قد يترافق مع ضعف إدراك المريضة لمرضها، ولذلك يحتاج إلى مساعدة نفسية فورية، وغالبا إلى دخول المستشفى.
ولا يعني ذلك أن الأم التي تعاني اكتئاب ما بعد الولادة تشكل خطرا على طفلها، فالاكتئاب والذهان حالتان مختلفتان، كما أن معظم النساء اللاتي يعانين اضطرابات نفسية بعد الولادة لا يرتكبن أعمالا عنيفة.

علامات تستدعي الانتباه
تكمن أهمية الحالة في أن بعض اضطرابات ما بعد الولادة قد لا تبدو في البداية مختلفة كثيرا عن الإرهاق والقلق اللذين يرافقان تجربة الأمومة الجديدة.
لكن ظهور أعراض مثل الهلاوس أو المعتقدات غير الواقعية أو الارتباك الشديد أو التغير الحاد في السلوك والمزاج، يستدعي الحصول على مساعدة طبية عاجلة.
وتؤكد المصادر الطبية أن الذهان التالي للولادة يمكن علاجه، وأن معظم المصابات به يتعافين مع العلاج والدعم المناسبين.
وتكشف قضية كلانسي أهمية عدم التعامل مع الاضطرابات النفسية المرتبطة بالحمل والولادة بوصفها مجرد فترة عابرة من الحزن أو الإرهاق، خصوصا عندما تتفاقم الأعراض أو تظهر علامات مرتبطة بفقدان الاتصال بالواقع.

ماذا تقول المحكمة؟
لا تزال هيئة المحلفين أمام روايتين متعارضتين، فالادعاء يرى أن كلانسي تعمدت قتل أطفالها، وأن حالتها النفسية لا تعفيها من المسؤولية الجنائية.
أما الدفاع فيقول إنها كانت تعاني ذهان ما بعد الولادة واضطرابا ثنائي القطب، وأن تدهور حالتها ارتبط أيضا بالعلاج الدوائي الذي تلقته، ولذلك يطالب بإعفائها من المسؤولية الجنائية.
ومن المقرر أن تستمر المحاكمة في الأيام المقبلة مع الاستماع إلى مزيد من الشهادات الطبية. وإذا أدينت كلانسي بالقتل، فقد تواجه السجن مدى الحياة من دون إمكانية الإفراج المشروط، في حين يعني الحكم بعدم مسؤوليتها جنائيا بسبب المرض النفسي إيداعها في منشأة للصحة النفسية بدل السجن.
وتبقى القضية -في جانبها الطبي- تذكيرا بأن اضطرابات الصحة النفسية المرتبطة بالولادة ليست مسألة هامشية، وأن بعض الحالات النادرة قد تتطور بسرعة وتحتاج إلى تشخيص ومتابعة وعلاج متخصص، بدل الاكتفاء باعتبار الأعراض جزءا طبيعيا من مشقة الأمومة.
اقرأ أيضا: روسيا: كيف يعاقب بوتين منتقدي الكرملين في المنفى؟
