عُرِف الاستعمار بأنه سيطرة بعض دول الغرب على بلدان كثيرة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وذلك عبر القوة، والتحكم العسكري، والاقتصادي، والثقافي.
ولست على علم دقيق لماذا استخدم العرب مصطلح «استعمار» ترجمةً حرفية للمصطلح اللاتيني Colonialism، مع أن كلمة الاستعمار في العربية تحيل، في أصل معناها، إلى تعمير الأرض وإصلاحها. والحق أن وصف الغرب للاحتلال بالاستعمار ليس إلا ضرباً من التبرير الأيديولوجي، ومحاولة لتجميل الشر وإلباسه لبوس الخير. وكان الأجدر بفقهاء اللغة العربية أن يجدوا الكلمة الأنسب عربياً للتعبير عن واقعة احتلال الغرب لبلادنا، فكلمة «الغزو» أليق بوصف الحال وأكثر مطابقةً للحقيقة التاريخية.
غير أن علماء السياسة، وقد تواضعوا على استخدام هذا المصطلح للدلالة على السيطرة والهيمنة، جرّدوه عملياً من معناه الإيجابي في العربية، فلم يعد لهذا المعنى القديم وظيفة في الاستعمال السياسي الحديث.
وقد استخدمنا هذا المصطلح هنا في علاقته بالعقل، فقلنا: «العقل المستعمَر». والسمة الأساسية للعقل المستعمَر أنه عقل لم يعد سيد نفسه، ولم يعد مستقلاً في التفكير في موضوعات تمس عالمه المعيش ومصيره التاريخي.
ولا شك في أن مناهج البحث في العلوم الإنسانية مشتركة بين جميع المشتغلين بها، ولسنا عن هذا الأمر نتحدث. فالعقل المستعمَر ليس هو العقل الذي يشارك العقول الأخرى مناهج البحث، بل هو العقل الذي يكرر ما يستقبله من أفكار ومصطلحات وآراء صادرة عن الآخر، أو عن خطاب عفا عليه الزمن، بوصفها حقائق مطلقة لا تقبل المساءلة.
إذاً، إن صفة العقل المستعمَر الأساسية هي التبعية: التبعية للآخر من جهة، والتبعية لخطاب ماضوي جامد من جهة أخرى. ومن هنا، فإن العقل المستعمَر، وهو يتبنى هذين النمطين من الخطاب، لا يميز بين الأيديولوجي والمعرفي، ولا بين ما ينتمي إلى سلطة الواقع وما ينتمي إلى أوهام التصور.
وأول ضحية من ضحايا العقل المستعمَر هو السؤال الواقعي، أي السؤال الذي ينطوي على إمكانية جواب واقعي ومعقول.
لقد سأل كثير من المثقفين العرب السؤال الآتي: كيف تقدم الغرب، ولماذا تخلفنا؟
ويبدو هذا السؤال، في ظاهره، سؤالاً صحيحاً، غير أن التمعن فيه قليلاً يكشف أنه سؤال زائف. لماذا؟
لأن السائل المستعمَر عقلياً يعتقد أن معرفة أسباب تقدم الغرب تكفي لاستحضارها والسير في الطريق نفسه، بغية تحقيق تجربة الغرب في بلادنا. غير أن الانتقال من تصور واقع ما إلى واقع آخر متحقق لا يستقيم لا منطقياً ولا تاريخياً، إذ لا توجد تجربة تاريخية قابلة للاستنساخ، ولا يمكن نقل الشروط التي أنتجت واقعاً معيناً كما هي إلى واقع مغاير في بنيته وإمكاناته وتناقضاته.
العقل المستعمَر لا يقول: «أنا أفكر، إذاً أنا موجود»، بل يقول ضمناً: «الآخر يفكر، وإذا فكرت كما يفكر الآخر، فأنا موجود». وهنا تكمن المأساة، إذ يتحول وجوده إلى صدى، وتغدو ذاته مرآةً لغيره، لا مصدراً للفعل والفهم والإبداع.
والأدهى والأخطر من ذلك أن يفكر العقل المستعمَر انطلاقاً من وهم استعادة ماضٍ متخيَّل، أو حتى ماضٍ كان واقعياً في زمنه، معتقداً اعتقاداً مطلقاً أن إرادته قادرة على استحضار الماضي بشحمه ولحمه إلى الحاضر. غير أن منطق الواقع يقول، دون لبس: الماضي لا يعود. وما يعود منه ليس إلا صورته المتخيلة، لا حقيقته التاريخية.
إن العقل المستعمَر لا يتكلم بصوت ذاته، بل بصوت الجماعة أو السلطة أو الماضي. وصناعة التاريخ، في جوهرها، لا تكون إلا بوجود «أنوات» واعية بدورها، لا بأفراد غائبين عن ذواتهم، ذائبين في خطابات لا يصنعونها، بل يخضعون لها.
وإذا ما جرى الصراع بين هذين العقلين المستعمَرين، عقل التبعية للآخر وعقل التبعية للماضي، بدأت معارك اللغو والوعي الزائف. وآية ذلك أن نمطي العقل الآنفي الذكر يعوزهما العقل النقدي. فكل عقل مستعمَر هو عقل لا يعرف النقد، لأنه لا يفكر، بل يعتقد أنه يمتلك حقيقة لا لبس فيها.
العقل المستعمَر، إذاً، عقل تابع، خائف، غير نقدي، غائب عن ذاته. يعيش على التكرار لا على الإبداع، وعلى الطاعة لا على الحرية.
ولعمري، فإن إستراتيجية استعادة العقل الحر، القادر على التفكير الواقعي وفق مبدأ المعقولية التاريخية، التي لا تنفصل عن العلاقة بين الممكن والواقع، تتطلب قبل كل شيء مشروعاً ثقافياً معرفياً يبدأ من الكشف عن ماهية السؤال الواقعي الذي ينطوي على إمكانية الجواب الواقعي.
وهذا المشروع هو الذي يخلق، بدوره، الحوار العقلي الواقعي، بعيداً عن الأوهام الأيديولوجية أياً كانت صورها، سواء جاءت في صورة تبعية للغرب، أم في صورة انغلاق على ماضٍ متخيَّل. فالاستقلال الحقيقي للعقل لا يكون برفض الآخر رفضاً أعمى، ولا باستحضار الماضي استحضاراً وهمياً، بل بالقدرة على التفكير في الواقع كما هو، واكتشاف ممكناته، والعمل على تحويل الممكن إلى واقع بفعل الإرادة الحرة والعقل النقدي.
