هل ينبغي لأحد أن يعاتبك إذا أنت رأيت الموضوع أصغر شأناً من أن يُطرح؟ظاهرياً، يحتاج الأمر إلى جملة اعتراضية، فهو قياساً على عظائم القضايا، يشبه «ما،بعد إذا،زائدة». لكن العتاب يكون عندما يشذّ شخص عن القاعدة. حذار الوقوع في فخّ «إذا عمّت المصيبة هانت». وإلّا، فهل تهون مأساة تداعي أحجار الدومينو؟ هل يهون ألّا يصير للجرح إيلام؟ هل هيّن أن تركل الجبلَ حصاة؟
المسألة لا تستحق غير حبّة اهتمام من طامور. عنّ للخاطر أن العالم العربي يعاني أمّية إيقاعية. قلت للقلم: ويحك، تبخّر ماء وجهك، فالناس منكبّون انكباباً على القضايا التي قضت على أمم لا تحصر، وشعوب لا تحصى، قضايا الأمّية التنموية، الأمّية الدفاعية، الأمّية الجيوسياسية، الأمّية العلمية والبحثية، الأمّية الإنتاجية…وأنت لا تفتأ تذكر الإيقاع، وكأنه سيطعم الناس من جوع ويُؤمنهم من خوف.
قال:كنت في جولة إفريقية، عبر وسائط الشبكة، فأذهلتني المهارات الإيقاعية الخارقة لدى أطفالهم. سرعة فائقة في إيقاعات متعاقبة متنوّعة، منها البسيط ومنها المركّب. إمكاناتهم تدعو إلى الرثاء، علب معدنية وأخرى بلاستيكية. صغار كلهم دون العاشرة، ألمّوا بهذه الفنون في مدارس الأزقة والبطاح. مهارات، بتعبير حسين السيد(كعب الغزال):«دي حاجات مش ممكن يضبطها ولا ميت طبّال».
حين نستهين بمسألة كهذه، نكشف عدم اكتراثنا لجوهر الموسيقى، التي تقوم على ركيزتين: الرياضيات والفيزياء. تعريف الإيقاع هو أنه تقسيم الزمن إلى وحدات. فهو رياضيات: ثلاثة على أربعة، أربعة على أربعة، ستة على ثمانية إلخ. الأخرى، الفيزياء، الأصوات موجات تردداتها وذبذباتها تقاس بالهرتز.
هل تريد برهاناً على الأمّية الإيقاعية؟ على الشبكة ألوف الأدلّة على أن نسبة مخيفة من العرب، يخطئون في قراءة الشعر، ونقله، بينما ثقافة العرب قامت على الشعر. إذا كان المعروض يُظهر عشق الميراث، فكيف يكون الضرب به عُرض الحائط؟ الجاهليون لم يتعلموا الإيقاعات في معاهد موسيقية، قد أهدوا إلينا ستة عشر وزناً، منها البسيط ذو التفعيلة الموحدة، ومنها المركّب، يعني أن المدارس لا تعرف تدريس العروض والقوافي، أو أن الطالب يتلقى ذلك بأذن من طين، وأخرى من عجين.
لزوم ما يلزم: النتيجة الجناسية: يبدو أن ما يذوقه العرب من ألوان إيقاع المخططات بهم، شغلهم عن تذوّق فنون الإيقاع الموسيقي.
