تُعد الجولة الثالثة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل محطة بالغة الأهمية، حيث جاءت في ظل تحديات عسكرية متفاقمة في منطقة الشرق الأوسط، وخصوصاً جدلية الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. عكست هذه الجولة، التي جرت في واشنطن، انخراطاً دبلوماسياً واضحاً من الطرفين، أسندته الولايات المتحدة التي تلعب دور الوسيط والرعاية.
تميزت هذه الجولة بتنوع أبعادها إذ لم تقتصر على قضايا فنية بحتة كما جرت في جولات سابقة تتعلق بترسيم الحدود البحرية، بل امتدت لتشمل ملفات استراتيجية مرتبطة بالأمن في جنوب لبنان ومستقبل العلاقات الثنائية. كما تناولت المفاوضات قضايا السلاح وسيادة الدولة في الجنوب. ورغم عدم التوصل إلى اتفاق شامل، فإنه تم الاتفاق على استمرار الحوار، حيث شكل ذلك تطوراً إيجابياً نظراً للتباينات الحادة بين الطرفين، مع تحديد 27 مايو موعداً لاجتماع لجان أمنية وسياسية يرنو إليه الجانب الإسرائيلي بتفاؤل.
تناولت المباحثات نقاطاً جوهرية من بينها تثبيت وقف إطلاق النار وعدم توسيع نطاق الاعتداءات العسكرية الإسرائيلية، وسط جهود أمريكية لتثبيت هذا التفاهم والحد من التصعيد في المناطق الجنوبية. طالبت إسرائيل بضمانات أمنية لمنع وجود عسكري لحزب الله على الحدود، في حين حضر موقف الوفد اللبناني الذي دعا إلى وقف الاعتداءات والانسحاب من المناطق المحتلة.
ركزت الولايات المتحدة على ضرورة دعم الجيش اللبناني باعتباره القوة المسؤولة عن حفظ الأمن في الجنوب، بينما شدد لبنان على سيادته الوطنية وضرورة التزام إسرائيل بالقرارات الدولية، لا سيما القرار 1701 الصادر عام 2006. كما حاول لبنان الفصل بين ملف وقف الحرب ومستقبل العلاقات السياسية مع إسرائيل، مع وجود رفض واسع لفكرة التطبيع الكامل داخل الساحة اللبنانية.
برز الدور الأمريكي من خلال حضور وزير الخارجية ماركو روبيو، مما يعكس حرص واشنطن على تفادي تفاقم الوضع الأمني على الحدود بين لبنان وإسرائيل. من جانبها، واصلت تل أبيب تشديد عملياتها العسكرية قبل انطلاق الجولة، في محاولة لكسب ملفات أمنية تنحصر مبدئياً جنوب نهر الليطاني.
رغم غياب بيان ختامي، تشير مؤشرات الجولة الثالثة إلى تحول مهم يعكس مستقبل الوضع الأمني والسياسي في لبنان، وكذلك مسار العلاقة المحتملة بين لبنان وإسرائيل. فالوضع مرتبط بشكل وثيق بالحرب الأمريكية الإيرانية والإجراءات المتزامنة في واشنطن وإسلام آباد.
لم تتمخض الجولة عن اختراق جوهري، لكنها فتحت الباب أمام استمرار الحوار لتفادي اندلاع مواجهات كبرى. في ظل الضغوط الأمنية والعسكرية المحتملة على لبنان، يبقى من الصعب عليه مواجهة محاولات فرض معاهدة سلام أو تطبيع كامل قد تحمل مخاطر جسيمة كما تظهر تجارب الماضي، خاصة سابقة اتفاق 17 مايو 1983 التي أدت إلى اضطرابات أمنية خطيرة استمرت حتى توقيع اتفاق الطائف الذي أعاد الاستقرار بالنسب.
