منذ مطلع القرن العشرين، وتحديداً في ثلاثينيات وأربعينياته، شهدت منطقة الخليج تحولاً جذرياً مع اكتشاف النفط بكميات تجارية في الكويت ثم السعودية، لتتبعها لاحقاً الإمارات ودول الخليج الأخرى، مما أحدث نقلة نوعية من اقتصاد معتمد تاريخياً على البحر والتجارة البسيطة إلى اقتصاديات عالمية متقدمة تهيمن على أسواق الطاقة والمال.
لم يكن النفط مجرد ثروة مالية، بل تحول إلى فرصة استراتيجية استثمرتها القيادات الخليجية بذكاء لبناء الإنسان والمؤسسات. فقد شهدت المنطقة منذ الستينيات والسبعينيات مشاريع كبرى في مجالات التعليم والصحة والبنية التحتية كالموانئ والمطارات، قبل أن تتوسع الرؤية نحو تطوير مراكز مالية وصناعية وسياحية وتكنولوجية.
على سبيل المثال، تحولت دبي من صحراء قاحلة إلى مركز اقتصادي عالمي يجذب الاستثمارات والشركات العالمية، فيما استثمرت أبوظبي عائدات النفط في صناديق سيادية ضخمة تعتبر من بين الأكبر في العالم. وفي السعودية انطلقت مرحلة التحول الاقتصادي عبر مشاريع عديدة، بينما استثمرت قطر مواردها الغازية لبناء نفوذ اقتصادي وإعلامي. هنا أيضاً تستمر الكويت في لعب دور مالي واستثماري بارز من خلال أحد أقدم الصناديق السيادية عالمياً، وتعمل البحرين وعمان على تطوير قطاعات الخدمات والموانئ والسياحة واللوجستيات.
لم تعتمد دول الخليج على القوة العسكرية لفرض مكانتها، بل كانت الاستراتيجية قائمة على الاستقرار الاقتصادي والانفتاح والاستثمار، ما جعلها بيئة آمنة تجذب رؤوس الأموال بعيدة عن نزاعات الحروب. لذلك، فمن المستبعد أن تسعى هذه الدول التي بنيت اقتصاداتها على أسس متينة ومشاريع مستقبلية ضخمة إلى إشعال صراعات قد تدمر ما تم تحقيقه.
تدرك دول الخليج أن الحرب تهدد اقتصادها واستثماراتها، وأن منطقة تصدر جزءاً كبيراً من الطاقة العالمية لا يمكن أن تتعامل مع الأمن بشكل عابر. وعليه، فإن أي توترات أو هجمات على موانئها أو منشآتها النفطية تُقابل بردود حذرة تهدف لتجنب التصعيد الشامل حفاظاً على مصالحها ومصالح العالم.
الاستراتيجية الخليجية ترتكز على دعم الاستقرار وعدم توسيع نطاق الصراعات، مما ينفي الروايات التي تصورها كمصدر تهديد أو مسرح لاعتداءات على دول أخرى مثل إيران. فدول الخليج التي تستثمر بكثافة في السياحة، التكنولوجيا، المدن الذكية، والطاقة النظيفة، لا يمكن أن ترى مستقبلاً في الدمار والحروب.
بفضل موقعها الجغرافي وعلاقاتها الدولية المتنوعة، لعبت دول الخليج دور الوسيط لحفظ السلام ومنع انزلاقات الصراعات، لكن الهجمات المتكررة على المنطقة أثرت سلباً على هذه القدرة، مع تقليل فرص التهدئة وارتفاع مستويات فقدان الثقة. وهذا الوضع يؤكد أن أي تصعيد سيضر بالمنطقة بأسرها، وليس بدول الخليج وحدها.
من الضروري أن تدرك إيران وغيرها أن هذه الدول حريصة على أمن واستقرار المنطقة بأكملها لأنها جزء لا يتجزأ منها، وأنها طوال تاريخها لم تكن تسعى إلى الحروب بل إلى السلام والاستقرار.

