في خطوة لافتة، استعان الرئيس الصيني شي جي بينغ بمفهوم «فخ ثوسيديدس» الكلاسيكي ليحذر من عواقب أي مواجهة محتملة مع الولايات المتحدة، موضحًا أن السياسات المتشددة قد تدفع القوتين العظميين نحو مواجهة خطيرة، خاصة إذا سعت واشنطن إلى عرقلة محاولات بكين لإنهاء سيادة تايوان.
يرجع هذا المفهوم إلى القائد الأثيني القديم ثوسيديدس، الذي وثق في كتاباته حرب البيلوبونيسية بين أثينا وإسبرطة (431-404 قبل الميلاد)، وقدم تفسيرًا لسبب وقوع الحرب، مؤكداً أن صعود قوة جديدة يهدد الهيمنة القائمة، مما يدفع الأخيرة إلى المواجهة.
وفي نظر شي، تمثل الصين القوة الصاعدة كأثينا، بينما تجسد الولايات المتحدة القوة القائمة كإسبرطة. ويعتقد البعض أن تفسير ثوسيديدس لهذا الصراع القديم يُعد تذكيرًا بتحول دائم في موازين القوى العالمية قد يؤدي إلى النزاع.
في هذا السياق، أطلق الباحث في السياسة الدولية غراهام أليسون على هذا النمط من الصدامات اسم «فخ ثوسيديدس»، مستشهدًا بتحليل 16 حالة تاريخية خلال 500 عام مضت، وقع في معظمها صراع مسلح بسبب تحدي قوة ناشئة لهيمنة قائمة، مثل الموقف بين ألمانيا وبريطانيا قبل الحرب العالمية الأولى.
مع ذلك، ينفي أليسون حتمية الحرب، مشددًا على أن الدبلوماسية الحكيمة والاعتراف بالمصالح المتبادلة يمكن أن تمنع التصعيد، كما حدث في أربعة حالات تاريخية مثل انتقال الهيمنة بين بريطانيا والولايات المتحدة بسلام في بداية القرن العشرين.
على مدار سنوات، استخدم شي ومجموعة من كبار الدبلوماسيين هذا المفهوم للتحذير من خطر الصراع، مؤكدين أنه ليس مصيرًا محتملاً بل تهديد يجب التعامل معه بتروٍ وحكمة.
في2015، أكد الرئيس الصيني أمام وزير الخارجية الأمريكي السابق هنري كيسنجر أن «فخ ثوسيديدس» غير موجود على أرض الواقع، لكنه أعاد طرح المصطلح في قمة بكين مع ترامب، محسوبًا ذلك على مفترق طرق عالمي جديد، متسائلًا عن إمكانية تقديم نموذج جديد للعلاقات بين القوى العظمى.
من جهة أخرى، يعتقد ريان سوان، خبير العلاقات الصينية-الأمريكية، أن تكرار شي للاشارة إلى هذا المفهوم يعكس رغبة صينية في إظهار نفسها كقوة عظمى مسؤولة، تسعى إلى تعايش سلمي مع واشنطن، مع الدعوة إلى معاملة منصفة دون تحديات في المحيط الإقليمي.
وقد حرص شي منذ توليه السلطة في 2012 على تعزيز موقف الصين كطرف متساوٍ، متجنبًا النزاعات المباشرة، وذلك عبر الضغط على الولايات المتحدة لاحترام النفوذ الصيني في محيطها، في محاولة لتهدئة التوترات وتحقيق استقرار طويل الأمد.
من جهة أخرى، بدا أسلوب الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب مختلفًا تمامًا، حيث اتسم كلامه بالثقة والمتفائلة، وركز على علاقته الشخصية مع شي وعلى شعار قمة حديثة غير مسبوقة، لكنه تجنب الرد مباشرة على أسئلة الإعلام بشأن تايوان، ما يعكس احترازًا أو اختلافًا في الأساليب.
دروس من التاريخ وحكمة في الحاضر
يشير الخبراء إلى أن تجنب «فخ ثوسيديدس» يتطلب جدية في الحوار، ومرونة في التعامل مع التوازنات الدولية الجديدة، بعيدًا عن الانزلاق نحو النزاعات التي عانى منها التاريخ عبر قرون.
فالوعي بخطورة التحولات في موازين القوى والحذر من التوترات المبالغ فيها يمكن أن يفتح سبيلًا لنظام دولي أكثر استقرارًا وسلمًا، يحافظ على مصالح جميع الأطراف ويضمن بقاء التحديات ضمن نطاق الحلول الدبلوماسية.

